ثورة النساء في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ١٠وحدث ذات مساء ان التقت بشاب يدل مظهره على انتمائه للطبقة الراقية تمكن من فهم السرّ الذي كانت تخفيه وراء نظراتها وعرف أنها فتاة لا تشبه زميلاتها في شيء. وفي الواقع، كان هذا الشاب أحد أبناء زعيم حكومي بارز ومعروفاً بسعة تفكيره وبأنه من خريجي جامعة غرناطة. وقد أمر بإعطائه غرفة خاصة لقضاء الليل مع المرأة الشابة. وعندما اختلى بها سألها عن أمرها فروت له قصتها الكاملة. ولدى مفارقته لها قطع لها وعداً بالعمل على إخراجها من المكان الذي تعيش فيه. وكان صادقاً في وعده إذ اصطحبها معه بعد أسبوع إلى منزل والديه وسألها ان تساعد والدته في الأعمال المنزلية وأن تداوم على الدراسة حتى تتعلم القراءة والكتابة. قبلت الفتاة هذا العرض والسرور يملأ قلبها، وتمكنت لفرط ذكائها من اللحاق برفيقاتها في المدرسة والتعويض عن الوقت الذي خسرته. ولدى نيلها الشهادة الابتدائية في سن الخامسة عشرة استطاع والد الشاب الذي نقل حديثاً إلى إدارة التعليم أن يرسلها إلى معهد طنجة لتكمل دررسها على نفقته .. كان زوجها في تلك الاثناء قد قبل بتطليقها مقابل مبلغ محترم فأصبحت طليقة من كل القيود وخطبت إلى منقذها الذي وعد بعقد قرانه عليها في يوم تخرجها من المعهد الديني، على أن لا يتزوج واحدة غيرها. كان الشاب ووالده مصمين على ان يجعلا منها امرأة عصرية متعلمة تصبح فيا بعد مساعدة لزوجها
ومرشدة له.
وما يهمنا معرفته هو أن هذه البدوية الصغيرة تمكنت بقوة
شخصيتها من اجتياز عتبة التقاليد المتحجرة والاعتقادات القديمة المتزمتة والتحرر منها. وقد كنت أرى من ناحيتي في فرض الزواج فرضاً على الفتاة تقليداً، من أقبح تقاليد العالم الشرقي وأعتقد ان ثورة فتيات اليوم تهدف خاصة إلى القضاء عليه. وقد أكد لي ذلك حادث مؤسف آخر اطلعت عليه بذاتي بعد انتهاء
السنة المدرسة
قبلت دعوة هاشم لزيارة أهله والتعرف الى قريته الريفية وعشيرته. كانت بيوت القرية المتناثرة على المرتفعات الصخرية مبنية بالطين اليابس وسعف النخل. وكان بيت هاشم حيث نزلت يقع بالقرب من مدخل حي البربر وراء أنقاض حصن قديم وهو مربع الشكل يتألف من طابقين كسائر بيوت القرية مع باحة ترابية بهدة تجتمع فيها النسوة ويترثون من بزوغ الشمس حتى غروبها. كان والد هاشم تاجراً يستورد البلح من واحات الجنوب وكانت له ثلاث نسوة كغيره من الشيوخ العرب. أما زوجته الأخيرة، وهي صاحبة الحظوة بالطبع، فكانت تقدمة له من أخيه الذي قبلها بدوره كتسوية النزاع سياسي دموي. وكانت تسكن مع تلك النسوة فتاة تدعى كريمة وهي ابنة شقيق صاحب المنزل، وذلك أثناء غياب والدها الذي سافر في فصل الربيع مع القوافل الى البادية. وكانت تنتظر رجوعه في أواخر أيار لعقد قرانها على نجل كبير قضاة القرية البالغ الخامسة عشرة من عمره) وكان القاضي من أشد المتمسكين بأحكام الشريعة).
19
18