ثورة النساء في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ٥٨تصل الى المكان المعين حاملة سلاحها وجهاز الارسال. فنزلت سيدا، نحو المدينة مخبئة وجهها في شالها منتعلة حذاء مهترئاً كسائر القرويات وهي تقود بغلا محملا حطباً. وفي المرات الثلاث التي أوقفت فيها استطاعت «سيدا، بما أظهرته من حماقة وبساطة أن تجعل الجنود يدعونها تتابع سيرها. وكانت قد حملت معها فوق الخشب كرات من خبز الشعير الذي يأكله قرويو الهرسك. واذ رأت اعين أحد الجنود الالمان الذين كانوا يستفسرونها عن أوراقها، تلمع لرؤية كسرات الخبز لم يطاوعها قلبها الرقيق إلا ان تعطي عدوها ما تملكه من خبز. والمعلوم أن جنود هتار و موسوليني كانوا بدون طعام منذ أيام.
وعندما وصلت سيدا الى المكان المعين لم تجد أي رجل في انتظارها فحارت في أمرها، غير أنها تابعت برباطة جأش أسطورية سيرها متنقلة في شوارع قلب المدينة إلى ان حالفها الحظ فالتقت بأحد المقاومين. وإذ أعلنت اسمها الشهير استطاعت ان تصل الى مركز الحزب الشيوعي السري في المدينة. وفي خلال ذلك كان الجيش الرابع والفرقة التي هي أحد أفرادها في طريق غزو المدينة من الجبال. فكان عليها اذن ان تدير العمليات العسكرية بواسطة جهاز الارسال الذي لديها. وعندما ابتدأت معركة موستار تمكن النازيون والفاشيست من تشويش المخابرات التي كانت ترسلها. غير أن «سيدا، أدركت بحسن فطنتها ان الطريقة الوحيدة لمتابعة الارسال لجيش التحرير تكمن في تغيير أماكن الارسال بشكل مستمر. فتركت عندئذ
مركز الحزب وأخذت تنتقل من بيت الى بيت ومن شارع الى شارع متابعة هكذا اتصالها بقيادة الاركان. وتحت وطأة هجمات المقاومين اضطر الألمان الى الانسحاب من موستار. فطرحت سيدا جهاز الارسال جانباً لتنزل هي بنفسها الى الشارع مع
لتأخذ
رشاشها. وافتتح أخيراً رفاقها القدامى المدينة فعادت هي محلها الى جنبهم. وأخذ جيش التحرير يتقدم نحو قلب البشناق محرراً المدن والوديان و «سيدا» في المقدمة ترفض ان تأخذ أي قسط من الراحة
وفي ذات يوم عند مهاجمة حي بيهاك انقلبت السيارة التي كانت فيها «سيدا» فكسرت ساقها ويدها. فنقلت الى مستشفى عسكري حيث ضمدت جراحها وجبرت ساقها واهتز الجيش جميعاً لما أصاب البطلة فجاء جميع رفاقها في الفرقة المدرعة لزيارتها الواحد تلو الآخر. غير أن المهمات العسكرية اضطرت المقاومين الى متابعة سيرهم فذهبوا في ظهيرة يوم السفر يودعون «سيدا».
وتأهبت المدرعات التي كانت مرابطة بالقرب من مستشفى سيدا» للرحيل. فكان الفراق بالنسبة للفتاة أمراً لا يطاق؛ وإذ كان الطبيب غائباً والممرضات في شغل عن «سيدا» يضمدون جراح المصابين الآخرين، أجهدت «سيدا» نفسها لتقف على ساقها وتنزل الى الشارع في الوقت الذي كانت فيه آخر دبابة تهم بالرحيل. فرآها الجنود رفاقها فصرخت بهم: «لا أريد ان أبقى هنا احملوني معكم،. فرفعوها بهدوء ووضعوها في المصفحة
115
114