ثورة النساء في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ٧٧المشروبات الساخنة.
وكان الحي في الخارج يعج بالناس كسائر أحياء باريس، وفي الطرف الثاني من الشارع كانت تقع مقاهي الـ «بركولا» حيث تلتقي أجمل فتيات الهوى على موائد الطعام الفاخرة. فالبر كولا بالنسبة لرواد المقهى الذي نحن فيه حلم عذب يشتهى. وفي هذه الأثناء كان صديقاي العاشقان يحتسيان قهوتهما بهدوء. فشعرت أنها قد ملا تلك الحياة التي اختاراها بملء إرادتها. واستسنحت تلك الساعة لأخير جاك بين حبيبته حجا وبين طاولة فخمة وثياب جديدة وسرير ناعم. فحدق في الشاب بنظرات ملؤها السخرية والدهشة وأجاب: (إن جميع ثروات الارض لا توازي في نظري حبيبتي حجا». فارتعشت الفتاة وقبلته على خده قائلة: «برافو جاك! أنا أيضاً لن أملك أبداً،
ثم انتقل بنا الحديث الى أشياء وأشياء حتى انتهينا بالكلام عن فوست، غيتي و «جحيم، دانتي، وعن باخ والجاز الحديث. وكان الضباب ما يزال مخيماً في الخارج والحرارة في هبوط. و وقفت أتأمل مرة ثانية جاك وحجا يعلق واحدهما بالآخر مجسدين الحب الدنس الحر، الحب الذي ينسي جميع المصاعب والآلام ومعارك الحياة. ومدا معاً يديها لوداعي، وقبل أن أعرض عليهما تقديم غرفتي يقضيان فيها ليلتهما كانا قد تواريا بعيداً في إحدى أزقة الحي اللاتيني المقفرة.
وإذ أعلنت الثورة في سنة 1954 وأخذت فرق المجاهدين تتكون وتكبر، انقلبت حياة المرأة الجزائرية القروية رأساً
على عقب. والسبب في ذلك يرجع الى ان 80? من أعضاء جبهة التحرير هم من العرب القرويين، ولأن أكثر المعارك تدور رحاها بين بلاد القبائل وجبال أوراس كما أن عدم توفر «ليلى عائشة» ثانية أو «أبو رقيبة» ثاني في الجزائر مع سننها النسائية المتطورة، قد فتح المجال بعنف أمام الأعمال الثورية. فقد وجدت القروية الجزائرية التي ألفت الحياة الهادئة الرتيبة والخضوع الدائم لزوجها، وجدت نفسها أمام تبعات ومهمات
شاقة قاسية
فالكثيرات من اللواتي تركهن أزواجهن للالتحاق بجيش التحرير وجدن أنفسهن مضطرات إلى إدارة منزلهن وإعالة أطفالهن بمفردهن. وبالرغم من انعدام الحياة التجارية بسبب الحوادث، فقد تمكنت أولئك النسوة الأمهات من تدبير شؤون منازلهن، وفهمن أخيراً أن للمرأة ذكاء كالرجل، وأن باستطاعتهن القيام بجميع مهامة، وأن وجوده ليس ضرورياً لتصريف شؤون المنزل كما كن يحسبن قبلا ومن بين الجزائريات اللواتي تزوجن تجاراً أو رعاة أغنياء في جهات وهران ومسخاره وبون وفليبفيل، من بعن حتى آخر جوهرة لديهن ليعلن بثمنها عائلات المجاهدين الذين قتلوا في ساحات الحرب أو الذين اعتقلوا في السجون وقد نشأت بين النساء الجزائريات العربيات والبربريات أواصر صداقة نسائية متينة تثبت أن شعب الجزائر العربي شعب حي فذ. وهنالك أيضاً قرويات نظمن حياتهن كالرجال لإعالة أطفالهن
153
152