ثورة النساء في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ٧٩سائر المسلمين أنهم ما يزالون حتى اليوم ينكرون حق أية عائلة أو قبيلة في احتكار سلطات الاسلام العليا بواسطة الوراثة، بالرغم من أن هذا الخلاف كان قد قديماً بين علي ابن عم الرسول حسم ومعاوية الأموي. فهم يعتبرون أنه يجب انتخاب خليفة الرسول
من بين المؤمنين البارزين ومن قبل جميع المسلمين. وعدا ذلك فإن حياتهم قد أحيطت دائماً بسنن صارمة ومثالية روحية فاقتا بكثير تطرف أية فئة إسلامية أخرى. ومن جهة ثانية فإن بعض عاداتهم تبرز معالم وعي وتفهم وتآخي اجتماعي وحرية فردية وجماعية تأصلت في نفوس أبناء الصحراء أولئك. والنساء بالرغم من كونهن خاضعات أو حتى مستعبدات التقاليد أخلاقية صارمة، فهنّ متقدمات واعيات على طريقتهن. وقد علمت بدهشة أنه لسنوات خلت توفيت في «غاريداي» عاصمة موزاب ذات السبعة أسوار، امرأة اشتهرت برسالتها الدينية واتساع ثقافتها وحيوية نشاطها وقد علق اسم تلك المرأة، ماما سليمان، في تاريخ المجتمعات الموزابية. فأول من حدثني عنها قاض فرنسي عجوز، وأخبرني أيضاً أن تابعات تلك المرأة الموزابية العجيبة كلهن من غاسلات الأموات، وأنهن يشكلن جمعية ذات رهبة في المجتمع الموزابي. ورجعت بعد سنتين إلى بلاد الموزاب في خلال رحلتي إلى هجار بلاد الطوارق، فتبينت أن الروحانية الموزابية تسيطر على جميع مظاهر الحياة اليومية الخاضعة للسنن الدينية. وشعرت أن كل موزابي يعتبر نفسه مسؤولاً عن جميع تصرفات مجتمعه
الأخلاقية. فالمراسيم الدينية التي ترافق دفن الموزابي تحمل كلها معاني واضحة كما أن غسل الميت يعطى أهمية كبرى. فمؤسسة النساء الغاسلات قد أخذت على عاتقها أمر القيام بتلك المهمة الدينية الجليلة. فهن يشكلن رهبانية كاملة ولكن بدون شارات خارجية لأنهن مسلمات فعليهن ألا يتعلقن بأي ملك على الأرض، وأن يكن حرات أي عذارى، أو مطلقات، أو أرامل، وألا يقربن الرجال مطلقاً. ومن لا يتقاضين أي مرتب على عملهن
ويعشن من الهبات التي يتكرم عليهن بها المؤمنون. وخضوعهن لسنة أخلاقية صارمة ونهج ديني قاس يجبر جميع الرجال والنساء الموزابيات على احترامهن وتقديرهن. وعلاوة عن ذلك فإن الرجال يعترفون لهن بجميع الحقوق الاجتماعية كما أنهم ينحنون لهن ولذكرى اللواتي توفين منهن انحناءهم لذكر عظماء الاسلام.
فالماما سليمان كانت لسنوات خلت قد اكتسبت سيطرة عجيبة على المجتمع الموزابي بأجمعه. وقد أسست تلك المرأة القديسة في البداية معهداً للفتيات كن يدرسن فيه العلوم الدينية والأخلاقية ويتفهمن ويناقشن بحرية كلية مشاكل الفكر والايمان الاساسية كخلاص النفس والثواب والعقاب وسواها. فهي مثال قليل. الوجود لامرأة جزائرية تعلمت وتثقفت على ذاتها من غير أن تألف أي معهد عال للعلوم الاسلامية أو الاوروبية وقامت أيضاً بمحاولات قانونية وأخلاقية للتوفيق بين العادات البربرية الموزابية والسنن القرآنية. كما كتبت بيدها مؤلفات
157
156