شاعر الثورة الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ١٣مفدي زكريا.
الحيوى الذي يغذى الاقتصاد الاستعمارى. كما كان من عوامل اشتداد قبضة المحتلين على عنق الجنوب الصحراوى خشيتهم مما قد يؤدى إليه اتصال أهل الشمال بأهل الجنوب من العمل معا على مقاومة جيش الاحتلال، والاستيلاء على ثروات المستوطنين الفرنسيين التي نهبوها والإضرار بمصالحهم.
يسبح
في هذه البيئة، وفى ظل تلك الظروف الصعبة، ولد ونشأ مفدي زكريا، فكان من الطبيعى أن يتأثر بها. ولو أنه تَرَكَ لنا مذكراته التي تتضمن سيرته الذاتية منذ طفولته لعرفنا رد فعل المظالم التي لقيها أهله، وشاهدها بعينيه في نفسه. ولنا أن نتصور فتى يافعًا أُوتِىَ موهبة بيانية، وحسا مشبوبًا، وتطلعا إلى حياة كريمة يحقق فيها أحلامه وآماله حين يفاجأ بصورة واقعية مناقضة لما كان فيه خياله. لا شك أن تساؤلات كثيرة قد راودته في صباه: لم هذا الظلم الفادح الذى يوقعه الدخلاء على أصحاب البلد الشرعيين؟ ولماذا لا نلم شملنا ونجمع إرادتنا على طردهم من أرضنا التي احتلوها عنوة واستولوا على خيراتها، وما زالوا يستنزفونها دون رادع من ضمير؟ وإذا كان العالم المحيط بنا يتذرع بالصمت ويتجاهل ما يراه أو يبلغه من جرائم الاستعمار فلا يمد لنا يدَ العَوْنِ والإنقاذ، فلماذا لا نتحرك نحن لصد غائلة الجناة الجائرين وكف أيديهم عن المحرومين المضطهدين؟ لقد كانت هذه هى الشرارة الأولى التى فَجَّرَتْ لهب التمرد على الأوضاع الجائرة في حنايا مفدي زكريا، وألهمته بعد ذلك قصائد الرفض والمقاومة. فكان شاعر الثورة الجزائرية منذ انطلقت في أوائل الخمسينيات وثمة عامل آخر شكل وجدان شاعرنا وفكره، وكان له أثره الإيجابي في شعره، وفى تكوينه الثقافى وعطائه الشعرى، ألا وهو التقاليد العربية الإسلامية الأصيلة التي رسخت في نفوس أبناء الجنوب الجزائرى منذ الفتح
C
مفدى زكريا
الإسلامي ودخولهم فى الدين الحنيف أفواجًا بعد أفواج، ثم مشاركتهم في فتح الأندلس مع القائد طارق بن زياد، الذى ينتمى إلى قبائل البربر الذين اعتنقوا الإسلام، وهم السكان الأصليون للجزائر
لقد ورث الفتى المنذور لعالم الشعر هذه التقاليد والخصال الحميدة، فتشربت روحه بمناقب الفروسية البعيدة الأغوار في النفس العربية، والتي ترجع إلى ما قبل الإسلام فى الجزيرة العربية، ثم صقلتها وشذبتها شريعة الإسلام، وأبقت على الجوانب المضيئة منها، وهى الكرم والمروءة والشجاعة والدفاع عن الأرض والعرض والاستشهاد في سبيل العقيدة والوطن. وهكذا نشأ مفدي زكريا شاعرًا ثائرا بين جنبيه قلب فارس، ومن أخلاقه شِيَم البطولة والتضحية في سبيل المبادئ والمثل العليا ولما كان أهل الجنوب الجزائرى يعرفون قيمة العلم والعلماء منذ أظلَّتهم راية الإسلام، فقد هيأت أسرة مفدى له طريق الدرس والتحصيل، ولا سيما أن أفرادها توارثوا الرغبة فى التعلم والنزعة الدينية والوطنية، وكان المناضل عبد العزيز الثعالبي يتردد على هذه الأسرة. ومن ثم التحق مفدى بكتاب القرية حيث تلقى مبادئ العلم والدين. ثم أوفده والده ـ وكان يشتغل بالتجارة - إلى مدينة عنابة» فى الجنوب الشرقي للجزائر، ومنها إلى تونس) وهى الدولة المتاخمة للجزائر من الشرق، والتي ترتبط بها أوثق الارتباط، وفيها واصل دراسته، شأنه في ذلك شأن كثير من أبناء الأسر الجزائرية التي تعتبر العلم ذخرا المتلقيه ولأهله وبلده.
معه
وعن رحلته لطلب العلم فى تونس يحدثنا الشاعر في حوار أجراه الصحفي الأديب الجزائري بلقاسم بن عبدالله، وضمنه كتابه «شاعر مجد
ثورة، فيقول: " زاولتُ دراستى الابتدائية والثانوية والعالية بحاضرة تونس، متنقلا بين مدرسة السلام والمدرسة القرآنية الأهلية، ثم الجامع
27
26