مفدي زكريا شاعر الثورة الجزائرية حسن فتح الباب

شاعر الثورة الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ١٦

مقدي زکريا

اجلدُوا .. عَذَّبُوا واشتقُوا واصْلبوا

أحرقوا خَرِّبُوا

نحن لا نرهبُ

مفدي زكريا.

وفى خَضِمٌ (1) الحرب التي نشبت بين الجزائريين الأحرار والجيش. الاستعماري الذي تمده فرنسا بأحدث الأسلحة، ويمده المستوطنون الفرنسيون في الجزائر بالأموال وكُلّ أنواع المساعدات الأخرى اعتقلت السلطة مفدى زكريا مع كثير من السياسيين والصحفيين وغيرهم وألقت بهم في ظلمات السجون. وكان اعتقال الشاعر يوم 12 أبريل 1956. ولم يُثْنِ (2. (2) وفى غياهب سجن الحرّاش بالعاصمة الجزائرية أنشأ المناضلون جريدة هذا الاعتقال من عزيمته أو يَفُتْ في عَضُدِهِ (3)، ولا نال من توهج شاعريته «البرلمان الجزائرى (الأسبوعية، وكان مديرها السيد أحمد بودة، ورئيس وتدفقها، بل كان العكس هو الصحيح، إذ ازداد صلابة وثورية، وتوالت

تحريرها مفدي زكريا.

قصائده كالغيث المنهمر، وتسربت إلى خارج السجن، فرددها الشعب

لتعبيرها البليغ عن مشاعره، وتصويرها الحى لأشجانه وأفراحه، وقد نشر

وقد أفرج عن هؤلاء الثائرين السجناء سنة 1939 بعد اندلاع نيران الحرب بعضها فى الصحف العربية، وهو يقول في ذلك: العالمية الثانية. ولكن شاعرنا لم يفتر نشاطه فى الحركات السرية التي تعاقبت

) من أعماق الزنازين فى سجون بَرْبَرُوس والحراش والبرواقية أرسلتُ

ثم اختلفت فيما بينها وتفرقت صفوفها، فآثر مفدي أن يتخذ موقف الحياد ملاحمى الثورية بالفُصْحَى وباللهجة الشعبية، تتخطى الآفاق، وتوقع حتى لا يتورط في الفتنة الهوجاء التى لا يفيد منها إلا فرنسا وذيولها. وقد رأى خطوات ثوّارنا الأبرار فى أعالي جبالنا الماردة العملاقة. وكان علينا ونحن أن في موقفه هذا حفاظا على شرفه وضميره، ثم جاء الوعد الحق، إذ بالسجن أن نقوم بمهمة أخرى، فأسسنا - بإذن من الجبهة - شبه وزارة

تمخض الغضب الذى كان يجتاح البلاد والتاريخ الطويل للمقاومة الشعبية عن ثورة التحرير الجزائرية بقيادة جبهة التحرير الوطني

واستأنف الشعر دوره النضالى ورسالته الوطنية منذ اليوم الأول لتلك الثورة التي كانت ثمرة التضحيات التي بذلها الأحرار، فانضم إليها عاقدًا العزم على التضحية في سبيل استمرارها حتى تحقق هدفها الأسمى، وهو تحرير البلد من غاصبيها، واسترداد ما سلبوه من حقوقها. وكتب مفدى كلمات النشيد الوطنى للثورة الذي ردده المجاهدون في الجبال والمدنيون في كل مكان، ودوت أصداؤه حتى بلغت المشرق والمغرب، ومازال حتى اليوم

نشيد الدولة الجزائرية الرسمى

،

للتعليم والثقافة امتد شعاعها إلى أجنحة السجينات المناضلات بطريق المراسلة المحلية، وقد تخرج من هذه المدارس عديد من المناضلين الذين كانوا أُمِّيِّينَ، وأصبح الكثير منهم في سلك التعليم).

لقد بلغت الفترة التي قضاها مفدى زكريا فى السجون سبع سنوات متقطعة ما بين عامى 1937 و 1959، أما أشعاره فقد استغرقت حياته كلها، فكانت هذه الحياة هى الشعر والثورة متعانقين لا يمكن الفصل بينهما، فنضاله شعره وشعره نضاله، وما خَبَتْ جذوة إبداعه قط، سواء

(1) الخصم: البحر. (2) لم يُثْنِ: لم يُضعف. (3) لم يفت فى عضده: لم يوهن.

33

32