مفدي زكريا شاعر الثورة الجزائرية حسن فتح الباب

شاعر الثورة الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ١٩

مفدي زكريا.

مفدي زكريا.

سيجد فيه رُوَّاد التجديد الرصين ما يدعم عقيدتهم في أن عمود الشعر

واقع، وتاريخ حرب، وعصارة قلب شاعر عاش أحداث بلاده في السجون والمعتقلات، وشَهِدَ رُءُوسَ الفدائيين تُحصَدُ بالمقصلة في ساحة العربي غير المغموز النسب - يبقى شامخا أمام أى تجديد في التعبير والتفكير سجن بربروس الرهيب. وافتتح الديوان بكلمة الإهداء الآتية، والتي نتبين فى حدود الشخصية الذاتية لِلُّغَةِ التي صمدت في وجه الزمن) منها نبوغه فى الكتابة النثرية أيضًا، كما نتبين بجلاء نزعته الثورية وقوة عاطفته الوطنية:

وبعد ذلك الإهداء وتلك الكلمة نصُّ رسالة كان قد أرسل بها سليمان صلاح الدين (عُرف فيما بعد باسم الدكتور سليمان الشيخ) إلى أبيه الشاعر من ساحة الشرف فى أول نوفمبر سنة 1960، وهى رسالة بليغة فيَّاضَة بأنبل المعانى، إذ تعبر عن واجب الكفاح في سبيل الوطن وعن البر

) إلى الدقيقة الواحدة من فاتح نوفمبر 1954 إلى أول إصبع جزائرية حَرَّكَها الأزل، وضغط بها القَدَرُ الرابض على زناد بالوالدين. البعث لتطلق القصيدة المسحورة الأولى، فتسعر (1) «اللهب المقدس» في دروب بلادي الحالمة، وأحراشها السَّكْرَى، ورمالها العَطْشَى، وجبالها الغضبي

أهدى ذَوْبَ كبد تحترق فى أتُون (2)) اللهب المقدس (»).

ويضم ديوان (اللهب المقدس (أربعًا وخمسين (54) قصيدة، منها ست قصائد بعنوان: (من أعماق بَرْبَرُوس) (1)، وعشرة (10) أناشيد بعنوان (تسابيح الخلود) وتسْعٌ وعشرون (29) قصيدة بعنوان: (نار ونور)، وثلاث (3) قصائد بعنوان: (تنبؤات شاعر (، وست (6) قصائد وتلى هذا الإهداء كلمة أخرى للشاعر يقول فيها: (لم أُعْنَ (3) في بعنوان: (فلسطين على الصليب). وتعد القصيدة الأولى وهى (الذبيح «اللهب المقدس» بالفن والصناعة عنايتى بالتعبئة الثورية .. وتصوير وجه الصاعد (رائعة الديوان ودُرَّتَهُ، وإن كانت معظم القصائد الأخرى لآليء الجزائر الحقيقى بريشة من عروق قلبي غمستها في جراحاته المطلُولَة (4) من الشعر. ويقول مفدى: إنه نَظَمَ هذه القصيدة بسجن بربروس في والشعر الحق - فى نظرى - إلهام لا فَن، وعفوية لا صناعة). ثم يندد (5) الهزيع الثاني من الليل أثناء تنفيذ حكم الإعدام على أول شهيد نُفّذ فيه بالشعراء الذين) رُبَّما لا يجدون فى الديوان ما يشبع غرائزهم المشبوبة في الحكم بالمقصلة، وهو أحمد زبانا، وذلك ليلة 18 يولية 1955 جحيم النهود والبراعم والفساتين). ويشيد بالشعراء الذين (سيجدون فيه وتستحق هذه القصيدة أن تُدْرَجَ فى عِدَادِ مأثورات الشعر العربي صِلَة رَحِم وُثْقَى بعزّ أمجادهم، وتجاوبًا صادقًا مع مشاعر العروبة، كما الحديث، لا فى الجزائر فقط، بل فى البلدان العربية جميعا، لجلال موضوعها - وهو رثاء شهيد - وسُمُو معانيها، وجمال صياغتها، ولقوة

(1) أي: تزيده اشتعالا. (2) أي: الموقد. (3) لم أَعْنَ: لم أهتم. (4) المبللة: الندية. (5) يندد يشجب ويُدين

(1) بربروس: سجن رهيب كان المستعمرون الفرنسيون يُودِعُون فيه أحرار الجزائر وتُوَّارَهَا، ويُنَفُذُونَ فيه أحكام الإعدام بالمقصلة، وهى الآلة الجهنمية التى أعادوها إلى الجزائر بعد أن أوقف استعمالها في فرنسا منذ حقبة طويلة من الزمن.

39

38