شاعر الثورة الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ٢٠مفدي زكريا.
وإلحاقه بمن
الشعور الذي أَوْحَى بها، وجمعها بين الأصالة والمعاصرة في انسجام وتوافق، فالألفاظ تتسم بالسهولة، والتراكيب جَزلة، والعبارات مُحكمة النسيج وهو قوله: وقد وفق الشاعر فى اختيارِ وَزْنٍ ذى غنائية رائعة، وهو وزن «الخفيف) وكأنه يزف الشهيد إلى دار الخلود، والقافية رقراقة كانسياب الجدول، وإن
قتَلَهُ
مفدي زكريا.
ومطلع قصيدة مفدى زكريا قريب من هذه الصورة،
قَامَ يختالُ كالمسيحِ وَئِيدًا يتَهادَى نشوان يتلُو النَّشِيدا
فالمعنى أن أحمد زبانا شهيد ثورة التحرير قد سار رابط الجأش إلى
كانت تَشفُ عن أسى دفين، أو قافية جياشة، عالية النغم، وذلك المقصلة، ثم صعد على دَرَجها العالى، وكَأَنَّهُ المسيح إذْ رَفَعَهُ الله إلى
حسب المعنى الذى يريد الشاعر توصيله إلينا، والإحساس الذى ينم.
هذا المعنى، فهو حيناً يُعَبِّرُ عن الجمال الروحي للشهيد، ويصور
حينا آخر
السماء، وكان اليهود قد حكموا عليه بالقتل والصلب، ولذلك وصف مُفَدَّى هذا البطل بالذبيح الصاعد، وجعل هذا الوصف عنوانا لقصيدته، ثورته على السفاحين الذين ارتكبوا أفدح الجرائم، وهى قتل المدافعين عن ثم وصفه فى البيت التالى بالملاك والطفل، لأن من صفات المناضل الثائر حق وطنهم في الحرية والاستقلال، وهو حق جاءت به الشرائع السماوية، البراءة والصدق، وصفاء النفس من الأكدار والخطايا التي تتمثل في حُب وأقرته المعاهدات والمواثيق الدولية، وفى مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة عام النفس، والامتناع عن التضحية فى سبيل الوطن أو الإنسانية. 1945، والإعلان العالمى لحقوق الإنسان عام 1948 وعَوْدًا على بَدْءٍ شَبَّهَ الشاعرُ البطل وهو على منصة الإعدام العالية بالروح وتذكرنا هذه القصيدة بمرثيات الشهداء ذات المستوى الشعرى الرفيع في التي تسمو إلى السماء فى ليلة القدر، وبالمؤذن الذي يصعد إلى سارية الأدبين: العربي والعالمي، ومنها قصيدة أبي الحسن الأنباري التي يرثى المسجد ليدعو إلى إقامة الصلاة. ومثلما عقد مقارنة بينه وبين المسيح في فيها ثائرا من أحفاد الحسين أبى الشهداء كان قد خرج على بني أمية في عهد السمو إلى السماء، قارنه أيضًا بالنبي موسى الذي كَلَّمَ الله، فقال: إِنَّ خلافتهم، فقتلوه وصلبوه تنكيلاً بآل البيت المطالبين بحقهم في الخلافة، المجد قد دعاه فاعتلى حبال المقصلة، وامتطى مذبح البطولة والفداء، وطَارَ وعبرة لغيرهم. وتتفق قصيدة مفدى مع قصيدة الأنباري في الرؤية الفنية، به جبريل عليه السلام إلى جنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدَ الله بها المتقين إذ تخلع على المربى الذى قتلته السلطة المستبدة صورة الإنسان العظيم الذى ويمضى الشاعر فى وصف الشهيد وهو على حافة الموت، فيقول: إنه يستشهد دفاعا عن وطنه أو عقيدته، وهى صورة تتسم بالبطولة والقداسة أطلق صرخة دوّت فى الآفاق وأَصَمَّتْ (1) سَمْعَ العدو، إِذْ هتف: (الله معا. فالشاعر أبو الحسن يبدأ مرثيته بقوله أكبر وَلْتَحْيَّ الجزائر حرة (. ثم يصور مفدي زكريا المعارك التي خاضها علو في الحَياةِ وفى المماتِ حَقٌّ أَنتَ إِحْدَى المعجزاتِ الثوار المؤمنون بربهم، والأوفياء لبلادهم، فى مواجهة السفاحين الطغاة ويعني ذلك - فيما يتصوره الشاعر - أنّ وَضْعَ جُثمان الشهيد في مكان الغاصبين. ويبلغ من قوة التصوير أن القارئ يشعر كأنه يشاهد تلك عال مثل حائط أو شجرة لا يخفض من قدره، بل يزيده رفعة ويُعلى من المعارك التى اشترك فيها الشباب والكهول من خيرة المجاهدين، ودارت في
منزلته، وذلك على خلاف ما أراده قاتلوه من تحقيره في نظر العابرين ويدل هذا التصوير على ما يقصد إليه الشاعر مِنْ نَفْى العار عن الشهيد
قمم الجبال الوعرة وسفوحها
(1) أَصَمَّهُ: أَصَابَهُ بِالصَّمَمِ
41
40