شاعر الثورة الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ٢٢مفدي زكريا)
سيان عندى مفتوح ومُنْغَلِقُ
يا سجنُ بابك أَمْ شُدَّتْ به الحَلَقُ (1)
أم السياطُ بها الجلادُ يُلْهِبُنِي
أَمْ خازن النار يكويني فأصْطَفِقُ (2)
وهو يعبر عن صلابته وشموخه برغم ما يلقاه من أهوال السجن، لأنه فطر (3) ونشأ مناضلاً لا يضعف مهما قست عليه الخطوب، وقد تعود أن يُلْقَى به فى عالم السدود والقيود، فلا يرهب السجّان، بل ينام ملء جفونه
مفدي زكريا.
طوع الكَرَى، وأناشيدى تهدهدني
وظلمة الليل تغريني فأنطلق (1)
والروحُ تَهْزَأُ بالسجان ساخرَة
تنساب في مَلَكُوتِ الله سابحة
هيهات يُدركها أَيانَ تنزَلِقُ (2)
لا الفجرُ إنْ لاحَ يُفْشِيها ولا الغَسَقُ (3)
وينتقل شاعرنا من هذا اللحن الشجى الذى يصف فيه مشاعره وهو
رهين السجن إلى لحن رومانسى حالم، إذ يتذكر لَيْلاه واسمها «سَلْوَى»
كما قال المتنبى (4). وتنطلق روحه برغم الأغلال - سابحة في ملكوت الله فيناجى طيفها مناجاة تقطر عُذوبة ورقة، فالسجان يعجز عن منع طيف
ومحراب الحرية، ويأنس بما ينظم من قصائد وأناشيد:
يا سجن ما أنتَ؟ لا أَخْشَاكَ تعرفني
إنِّي بَلَوْتُكَ في ضيق وفي سَعَةٍ
مَنْ يحذق البحر لا يُحدِق به الغَرَقُ (5)
وذُقْتُ كَأْسَكَ، لا حِقْدٌ ولا حَنق (6)
علَى صَياصِيكَ، لا هَم ولا قلقُ (7)
أنامُ مِلْءَ جُفونى غِبْطَةٌ ورِضًا
المحبوب من زيارة العاشق، أو منع الحلم عن طرق باب المحب وهو نائم ويبلغ مُفَدَّى فى هذا اللحن ذروةً فى التعبير عن الحب والذكريات. ومثل رواد الشعر الوجداني يوظف مفردات الطبيعة، كالشمس في طلوعها وغروبها، والموج فى هديره وفى ارتطامه بالصخر، والنجوم، والشفق، والليل، ويمزج صورها فى مختلف أحوالها بآيات الجمال التي حبا الله الحبيبة بها (4).
ومِنْ عِشْرِ المرأة يتحول مُفَدَّى زكريا إلى عشق الوطن، فيبدع أيهما إبداع، لأن الجزائر هى حبه الأول وحبه الأخير، وهى سر حياته وتجلاها، ونبع إلهامه، وفى سبيل تحريرها ضَحَى بحريته، فعرف السجن، ولو قتله المستعمر للقى ربه قرير العين بتضحيته، لأن مآل الشهداء إلى الفردوس.
(1) الحلق: الحلقات الحديدية التى توصد بها الأبواب. شُدَّتْ: ضُيِّقت وأحكمت. (2) يقال: الريح تَصْفِقُ الأشجار فتصطفق، أي تضطرب (3) فطر: خُلِقَ
(4) أنام مِلْءَ جفونى عن شَوارِدها ويسهرُ الخَلْقُ جَرَّاها ويختصمُ (5) يَحْذِق البحر: يجيد السباحة فيه، يُحدق به: يحيط به.
(6) بَلَوْتُك: اختبرتك وعرفتك. الحنق: الغيظ
(7) الصياصي: الحصون.
44
(1) الكرى: النوم
(2) أيان: حيثما.
(3) يفشيها: يكشف سرها
(4) انظر الأبيات في آخر الكتاب ضمن المختارات.
45