مفدي زكريا شاعر الثورة الجزائرية حسن فتح الباب

شاعر الثورة الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٢٩

وأَهْوَى على قدميها الزَّمَانُ

مفدي زكريا.

فأهوى على قَدَمَيْها الطَّغَاة

شَغَلْنَا الوَرى وملأنا الدُّنَا

بشعر نرتله كالصَّلاة

تسابيحه من حنايا الجزائر

C

لأن

مفدي زكريا.

الشاعر، وتعميق معانى التعاطف والتراحم والإخاء، فإن مفدي زكريا - برغم ما قد يبدو من مبالغة فى تعبيره - لا تخلو أبياته من المسحة الإنسانية، حب الوطن من الإيمان فى الموروث العربي، فليس من الإنصاف أن نتهم الشاعر بالشطط (1) لأنه صادق فى إحساسه، مثلما لا نتهم «شوقي» بذلك في قوله، معبرا عن حنينه إلى مصر حين كان منفيا في الأندلس بأمر

من الإنجليز الذين كانوا يحتلون البلاد فى أثناء الحرب العالمية الأولى وَطَنِى لو شُغِلْتُ بالخُلد عنه نازَعَتْني إليه في الخُلْدِ نَفْسِى ويدل هذا الاستهلال الذى يتكون من عشرة أبيات نُظمت على نسق الشعر التقليدى ذى الشطرين والقافية الواحدة، يليها ثلاث شطرات على فالمقطع أغنية حب للوطن أكثر منه شعرًا في الفخر، ولذلك اتسمت نفس الوزن، وهو المتقارب، ولكنَّ كُلاً منها مستقل بقافيته، وهذه الأبيات بالرقة، والصياغة بالانسياب، فلا ضجيج يشوبها، ولا اعتساف الشطرات تسمى اللازمة، لأنها تتكرر فى نهاية كل مقاطع الإلياذة. وقد فى معانيها أو تعقيد فى تراكيبها، مثلها فى ذلك مثل الشعر الغنائي التزم مفدي زكريا في هذه المقاطع جميعًا برغم طول القصيدة بالوزن المذكور الوجداني، والصنعة فيها خُلو من البهرج المصطنع، ولا يعيبها من حيث مع تنويع القافية من مقطع إلى آخر. أما من حيث الفن الشعرى، فإن الصياغة إلا تكرار صيغة النداء» يا «المسبوقة بحرف العطف تكرارًا قد المقطع الأول الذى أوردناه يدل على تدفق الشاعر وتوهجه في التعبير عن يُغتفر فى السرد النثرى أو الخطابة، ولكنه غير مقبول في الشعر. بيد أن عشقه لوطنه، وكأنه ينهل من نبع فياض يروى منه روحه الظامئة، والتي حماسة الشاعر المتأججة هى التى أدت إلى هذا الإطناب والإسهاب، ومن تكاد تذوب وجدا به، وهيامًا بكل ذرة فى ترابه ونسمة في فضائه. وهو في ثُمَّ إلى التكرار، في حين أن التكثيف أَلْيَقُ بالشعر، لأنه أشد وقعا، وهو فرحة غامرة لتوحده بهذا الوطن الذى لا يضاهيه في سحره أجمل الأوطان يترك للقارئ مساحة للتخيل يملؤها بنفسه، وكأنه يشترك مع الشاعر في فهو أرض المعجزات، وأسطورة بما حفل به تاريخه من بطولات تمثل أسمى إبداعه. ويقول نقادنا القدامى: (إن ترك المسكوت عنه بلاغة) ومع ذلك فإن هذا المقطع يتفق من حيث جمال الصياغة بصفة عامة مع

القيم الإنسانية.

"

وإذا كان الفخر بالوطن والأهل والذات فى الشعر القديم يتسم بالصوت ما قاله هؤلاء النقاد فى بيان إحدى خصائص القصيدة الجيدة، وهو حسن الجهير والرنين العالى الذى يعكس شدة الاعتداد بالنفس والزهو بالآباء الاستهلال، وقول بعضهم فى هذا المعنى: «أحسنوا معَاشِرَ الكُتَّابِ والأجداد، ويعيب كثيرًا من نماذجه ما تشى به من بقايا النزعة القبلية الابتداءات، فإنهن من دلائل البيان»، فضلا عن أن الاستهلال البديع

المتعصبة، ولا سيما إذا اقترن الفخر بالتعريض بالآخرين، وفقد بذلك يغرى القارئ بمتابعة قراءة القصيدة.

الروح الإنسانية التى تسع الناس جميعًا، وتؤدى إلى تواصل المتلقّى (1) (1) مع (1) المبالغة

(1) القارئ.

59

58