شاعر الثورة الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ٣٥مفدى زكريا
مفدي زكريا.
في المغرب العربى أنه قد وقع بين شِقّي الرَّحى، إذ كان كبار الساسة يَشْرُف به كل موطن يزوره أو يقيم فيه فى العالم العربي، فطابت نفسه، إذ والمجاهدين ساخطين عليه خِفْية، وخاصة بعد أن نظم ونشر قصائد عوضه الأشقاء عن بعض ما فاته خير العوض، وإن كان الحزنُ ظَلَّ كامنا يمتدح بها ملك المغرب، وأخرى يمدح فيها الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، إذ كان يتنقل بين المغرب وتونس، مما اعتبروه ردة عن مواقفه الوطنية التاريخية ونضاله من أجل وطنه، وإن لم يحولوا بينه وبين زيارة بلاده
في حناياه
ولكن الحظ العاثر كان من نصيب الشاعر حتى في المغرب، كأنما لم يكفه حرمانه من وطنه وأهله، ذلك أن العلاقات السياسية بين حكومة الثورة في مناسبة أو أخرى، أهمها الاشتراك فى مؤتمر الفكر الإسلامي .. الجزائرية وبين الحكومة المغربية قد أصيبت بالتصدع بسبب مانشب من ومسايرة لغَضْبَةِ السُّلْطَة على الشاعر عمدت وسائل الإعلام والرأى العام
خلاف على الحدود على أثر جلاء جيش الاحتلال الفرنسي عن الجزائر
وإعلان استقلالها، واتهام الحكومة الجزائرية المغرب بالاستيلاء على جزء من
والمنتديات الثقافية إلى إسْدَالِ ستار التجاهل عليه، فتلقفه النسيان، إلا
من صفوة المثقفين الذين يعرفون قَدْرَهُ، ولكن أحدا لم يجرؤ على ذكره.
أراضيها قبل أن تضمد جراحها من صراع مسلح استمر سبع سنوات ومضت عليه الأيام بحلوها ومرها بعيدًا عن الوطن، حتى لقى ربه في تونس ونصف السنة، واستفحل النزاع حتى دقت طبول الحرب، واتخذ الرئيس يوم 17 أغسطس 1977. وبلغ النبأ المسئولين بالجزائر، فكان للرئيس جمال عبد الناصر موقفًا مناصرًا للدولة الجزائرية الوليدة بعد أن أخفقت هواري بومدين موقف وطنى وإنسانى يَحْمَدُهُ له التاريخ، إذ رأى أن موت مساعى الصلح، وأرسل عددًا من الضباط والجنود المصريين إلى جبهة الشاعر وانتقاله إلى ذمة الله محا ما كان من خلاف، فأمر بإرسال طائرة تقل القتال. ومن المفارقات المثيرة للأسى أن بعضهم وقع في أسر الجيش جثمانه الطاهر إلى بلاده. وفى قرية بنى يزقن بولاية غرداية في منطقة وادى
المغربي، ولم يُطلق سراحهم إلا بعد سنوات طويلة.
وليس من المستغرب أن تكون هذه الأحداث المأساوية قد ألقت بظلها
ميزاب مسقط رأس الشاعر وُورِىَ رُفاته فى التراب الذي شهد مهد طفولته
ومرتع صباه. الثقيل الكئيب على نفس مفدي زكريا، ولعله تمنى حينئذ أن يكون الصراع
ولكن الأضواء ظلت محجوبة عن مفدى زكريا حتى بعد رحيله، فلم
العسكرى الذى جرى بين الدولتين الشقيقتين سحابة صيف عن قريب تَنْعَهُ الصحف، أو يعرض لذكره الأدباء والمجاهدون، بل خرجوا بالصمت
تنقشع، وأن تعود إلى مجاريها مياه الإخاء والتعاون بينهما، ولكن:
ماكل ما يتمنى المرء يدركه
تأتي الرياح بما لا تَشْتَهِي السفن
عن لا ونعم، حتى قيض الله له مَنْ يذكى اللهيب في الرماد، ذلك أنني بعد بضع سنين من قدومي إلى الجزائر في خريف 1977 اطلَعْتُ على ديوان
(اللهب المقدس (للشاعر مفدي زكريا، وكان أعارنيه خلسةً أحد أبنائي
فقد زاد الطين بلة أن بعض سكان الصحراء الغربية بالمغرب قد تمردوا الطلاب، وكأنه من المحظورات، فبهرتنى أشعاره وحياته العاصفة، كما على السلطة وطالبوا بالاستقلال، واتهمت المغرب حكومة الجزائر بالانحياز هالني أن يُكافاً بإهمال شأنه حتى بعد أنْ لَقِيَ ربه، وإسقاط اسمه من قائمة المناضلين أيا كانت الأسباب التى تكمن وراء هذا الموقف.
إليهم ومدهم بالسلاح، وأدرك الشاعر الذي طالما دعا إلى وحدة الشعوب
71