شاعر الثورة الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ٣٦مفدي زكريا.
فكتبتُ مقالا عن مفدي زكريا شاعرًا ومناضلا، وذلك بعد رحيله عن حياتنا الفانية، وأبديت دهشتي من إنكاره، ودعوت إلى إنصافه، ونشرت المقال بصحيفة (الرأى العام (الكويتية فى أول أكتوبر 1983، وأَطْلَعْتُ عليه الصديق الصحفى بلقاسم بن عبد الله الذى كان يشرف على الملحق الأدبي لجريدة الجمهورية فى وهران، وكأنها مددت له طوق نجاة للشاعر، فأثار الموضوع في مقال بتاريخ 29 أكتوبر، على صفحات تلك الجريدة بعد أن أنس اتفاق الرأى العام الأدبى معه، وكان أول مقال كتبه بتاريخ 29 أكتوبر 1984. وظل يتابعه بعد أن وجد له صَدَّى فى المجتمع. ومما يجدر بالتنويه أن هذا الصحفى كان أول من اخترق جدار الصمت المضروب حول الشاعر بإجراء حوار معه سنة 1972 فى أثناء مشاركته في مؤتمر الفكر الإسلامي بالجزائر، ولكن هذا الحوار ظل مطويًّا في غيابة النسيان بسبب سوء العلاقة بين مفدي زكريا وبين السلطة، ولم ينشره محرره إلا في نوفمبر
1984
وقد عُدْتُ بعد بضع سنين - وكنت لا أزال بالجزائر - إلى الكتابة عن مفدى زكريا الشاعر العبقرى الراحل، لتعريف الأجيال الجديدة به فى المشرق والمغرب، واطَّلَعَ على بعض ما كتبت الكاتب الصحفى الكبير الأستاذ صبرى أبو المجد، فكتب فى ديسمبر 1985 على صفحات مجلة المصور التي تصدرها دار الهلال بالقاهرة مقالاً يقول فيه:
لم أكن أعرف أن الشاعر مفدي زكريا قد انتقل إلى جوار ربه في عام 1977 غريبًا عن وطنه الذى عشقه وقضى حياته متغنيًا بحبه، وتحمل الام السجون والمعتقلات دفاعًا عن حريته، وربما لولا تلك الكلمات التي كتبها الدكتور حسن فتح الباب فى جريدة الرأى العام الكويتية منذ أيام لما عرفتُ ذلك النبأ المحزن الأليم، وتلك إحدى آفات المقاطعة والقطيعة التي ابتلينا بها حتى على مستوى العلاقات الشخصية. ثم يذكر الكاتب لقاءه بالشاعر
مفدي زکريا.
))
في أحد ملتقيات الفكر الإسلامي حيث وجده شاعرًا إنسانًا، يعاني محنة الجحود والنكران». ويختتم المقال بهذه الفقرة: (كان مفدي زكريا يأمل أن يجد بعض التكريم فى حياته، ولكن أمله لم يتحقق. على أية حال فإن ثقتى المطلقة فى كتاب شعب الجزائر وشعرائه قوية للغاية في أن يقوموا بتكريم صاحب (الإلياذة»، وفى ترجمتها إلى اللغات الحية في العالم، لأنها من أروع ما أبدع الشعراء العرب والمسلمون» (1) ولما كان أول الغيث قطرًا ثم تنهمر كما يقول الشاعر العربي القديم، فقد كانت المقالات المذكورة التي تدعو إلى رد اعتبار مفدي زكريا مثل حجر يُلْقَى في الماء، فيحدث دائرة سرعان ما تنداح حتى تتحول إلى دوائر تتسع واحدة بعد أخرى، وهكذا أقبل الأدباء والنقاد على إنتاج الشاعر يدرسونه وينشرون أبحاثهم بشأنه، وغدا هذا الإنتاج موضوع دراسات عليا بالجامعات في الجزائر والبلدان العربية وفرنسا. وقد تجلى اعتراف الدولة بمكانة مفدى ودوره في الحركة الوطنية فى عقد مهرجان ثقافى سنوى باسم الشاعر في العاصمة الجزائرية بدأ فى عام 1985. وفى سنة 1986 أنجز ابنه الدكتور سليمان الشيخ الباحث الأكاديمى فى باريس، ثم رئيس جامعة الجزائر بعد ذلك، مشروع تسجيل (إلياذة الجزائر) بصوت الشاعر في «أسطوانات لتعميم الاستماع إليها، وبدأ مشروع ترجمتها إلى بعض اللغات العالمية بعد إنجاز ترجمتها إلى الفرنسية كما أشرنا آنفا هكذا اعتدلت مسيرة التاريخ، ونال شاعر الثورة الجزائرية بعض حقه،
(1) احتفى الكاتب الصحفى الجزائرى بهذا المقال حين أَطْلَعْتُهُ عليه، فأعاد نشر فقرات منه على صفحات جريدة الجمهورية (بوهران، ثمم ضمنها كتابه (حديث وذكريات مع الشاعر مفدى زكريا) الذي صدر سنة 1990. هذا وقد أتاحت ملتقيات الفكر الإسلامي عقد أواصر الود والصداقة بين الشاعر وبين أدباء مصر الذين شاركوا فى أعمال هذه الملتقيات، ومنهم الشاعر صالح جودت، الذي جرت بينه وبين مفدى رسائل تتسم بالدعابة والفكاهة
73
72