شاعر الثورة الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ٩مفدى زكريا
قادرًا على أن يأخذ مكانه من الوطن الكبير الأم ومكانته فى العالم، وأن يقوم بدوره في دعم الحضارة العربية، ويُسهم فى ازدهار حركة الحرية والعدل والتقدم التي يقودها المناضلون من أبناء الشعوب التي عانت طويلا من التخلف الذي فرضته عليها القوى الاستعمارية، ومن حرمانها من أدنى حقوق الإنسان. وكم تطلعنا إلى بشائر الأمل في انتصار الثورة الجزائرية
،
مفدي زكريا
المتحدة في صالح الجزائر إلى الجهود التي بذلتها مصر في سبيل الدفاع عن حق الجزائريين في تقرير مصيرهم بأنفسهم. أما على المستوى الداخلى فقد كانت مصر امتدادًا معنويا لجبهة المقاومة الجزائرية، إذ خصصت مساحة كبيرة من وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة القضية الجزائر، وفى مقدمة هذه الوسائل» إذاعة صوت العرب» التي
ونحن نرى شعبها يُذهل الصديق والعَدُوَّ بصموده وتضحياته التي تشبه كانت توالى بَثَّ أنباء الكفاح المسلح الذى يخوضه أبناء الجزائر لتحرير
الأساطير، فقد بلغ عدد شهدائه مليونًا ونصف المليون
وكنا فى مصر ندرك أيضًا أن معركة الشعب الجزائرى ليست معركته وحده، ولا هى معركة الوطن العربى فى الشمال الغربي الإفريقي فحسب، وإنما هي معركة العالم الثالث كله، معركة الشعوب المُسْتَعْبَدَةِ المنهوبة ضد أعدائها من المستعمرين المستغلين، معركة التاريخ لكي يشق طريقه الحَتْمِيَّ إلى الأمام. ولم يغب عن وعينا أن الاستعمار في أبشع صوره ـ وهو
القائم على الاستيطان واستئصال الجذور، بطمس الشخصية الوطنية وتشويه الدين، ووأد اللغة الأصلية، وهى وعاء الثقافة - يحارب في الجزائر بِضَراوَةٍ استجمع فيها كل أدواته وموارده الجهنمية ضد شَعْبِ أَعْزَلَ، إلا مِنْ درع إيمانه بحقه، وبضع بنادق صيد ابتدأ بها معركته الصعبة الطويلة، ثم استطاعت كتائبه من الفدائيين أن تَغْنَم فى هجماتها على معسكرات العدو الغاصب أنواعًا متعددة من الأسلحة حاربوه بها.
وكان لمصر العربية في عصر ثورة 23 يولية 1952 التي قادها الزعيم جمال عبد الناصر دور كبير فى إمداد ثوار الجزائر بالسلاح والعتاد عن طريق تونس، فضلاً عن دعمها السياسي لهم في المحافل الدولية، وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة، لإقناع الرأى العام العالمي والمنظمات الدولية والإقليمية بعدالة القضية الجزائرية، ودَحْض مقولة المستعمر " إن الجزائر جزء من فرنسا). ويرجع الفضل فيما صدر من قرارات وتوصيات من الأمم
))
بلادهم، وتشيد ببطولاتهم، لشد أزرهم، وتوعية الرأى العام داخليا وخارجيا بالدوافع الوطنية النبيلة التي فجرت ثورة الفاتح من نوفمبر كي يتضامن معها العرب. وكان الثوار يستمعون إلى هذه الإذاعة في معاقلهم على جبال «الأوراس) من خلال الأجهزة الصغيرة التي استطاعوا تصنيعها، أو أمدتهم بها بعض البلدان العربية، وفي مقدمتها مصر، أو التي غنموها في معاركهم. وبلغ من تقديرهم للرسالة التى اضطلعت بها تلك القناة الإذاعية أن أطلق على أحد المجاهدين اسم صوت العرب (مثلما سَمَّى كثير من الجزائريين أبناءهم باسم «جمال» عرفانا بجميل قائد ثورة 23 يولية، وإن كانت مصر تعد مناصرة الشعوب العربية واجبًا، بل فريضة وقد وفدت إلى الجزائر بعثات صحفية مصرية لرؤية الوقائع رأى العين، ونقل أخبارها إلى العالم، لدحض المفتريات والشائعات الكاذبة التي كانت تذيعها وتنشرها السلطة الاستعمارية ومن دار فى دائرتها، ولفضح الجرائم التي كان يرتكبها جيش الاحتلال ضد المدنيين بالمخالفة لأحكام المعاهدات والاتفاقات الدولية التي وقعت عليها الدول الأوربية، ومنها فرنسا، كما أرسلت مصر إلى المناضلين الجزائريين بعثات طبية لعلاج الجرحى، وكان الأديب الدكتور يوسف إدريس أحد الأطباء الذين قاموا بواجبهم القومى والإنساني، وقد التقى ببعض المجاهدين في مواقعهم
19
18