تراثنا الإسلامي والعصر
الجزء ١ · صفحة ١١ولا يخفى ما في هذا الرأي من التهافت لأنه يشير من طرف خفي إلى أن طرق الإحياء، ونشر التراث، وتحقيقه، جاءتنا عن طريق المستشرقين، ونحن لا ننكر دورهم كما سنوضح هذا فيما بعد. ولكن الواقع التاريخي يؤكد أن حركات إحياء التراث ارتبطت بمؤسسات ذات طابع إسلامي، وأن الذين سهروا على هذه الذخائر والكنوز والنفائس علماء أجلاء حملوا مشعل النهضة الثقافية منذ مطلع القرن العشرين، وتوزعوا في بقاع شتى من العالم الاسلامي مشرقا ومغربا، وما من شك في أن تلك الجهود قد تفاوتت بقدر ما تنوعت وتباعدت، ويؤكد هذه النظرية أحد رواد التحقيق في العالم الاسلامي حيث يقول:
«لقد كانت فكرة إحياء التراث والنشاط فيه فكرة قومية، قبل أن تكون فكرة علمية، فان طغيان الثقافة الأوروبية والنفوذ التركي وضغطه كاد أن يأخذ بمخنق العرب في بلادهم، فأرادوا أن يخرجوا إلى متنفس يحسون فيه بكيانه المستمد من كيان أسلافهم، في الوقت الذي ألفوا فيه الغرباء من الأوروبيين يتسابقون وينبشون كنوز الثقافة
العربية فانطلقوا. . . (1).
(1) هارون، قطوف .. ص 73
ذلك
ة رتيلا عطا (4) انام رونقطة بالية (1)
والذي يجسد هذه النظرية في مسار التاريخ الإسلامي الحديث،
هو أن المتتبع للحركات الإصلاحية والنهضات القومية في العالم الإسلامي يجدها تتخذ من وسائل النهوض والشعور بالذات تحسيس أبناء جلدتهم بالاهتمام بالتراث والعودة اليه، والعب منه، والتعمق فيه، ودراسته وإخراجه للناس إخراجا يتماشى مع العصر.
نلحظ هذا الإتجاه عند جمال الدين الافغاني، ومحمد عبده ورشيد رضا، والكواكبي وسعد زغلول، وأحمد زكي باشا شيخ العروبة، ومحب الدين الخطيب، والشيخ أطفيش، ونورالدين السالمي، وعبدالحميد بن باديس، والشيخ بيوض، وأبو إسحاق إبراهيم أطفيش وغيرهم من رواد التجديد والاصلاح في العالم الإسلامي.
الله
لقد تيقن هؤلاء تحت وطأة الصدمة الحضارية التي فتحت عيونهم وشحذت أذهانهم، أن الغرب حينما تغلب على الأمة الإسلامية وأصابها بالتمزق والضياع، إنما تغلب عليها بالعلم والتكنولوجيا، أو بعبارة أدق تغلب عليها بسلاح الفكر والمال، وأن
المال
الأمم الإسلامية لم تقع أسيرة الاستعمار الاستيطاني والتبعية الإقتصادية، إلا عندما أهملت هذين العنصرين، وعوا ذلك وقدروه
19
18