تراثنا الإسلامي والعصر
الجزء ١ · صفحة ١٢ووعوا في الوقت نفسه أن هذه الأمة بالذات كانت القائدة لا المقودة، الرائدة لا المقلدة، فكان هذا التقدير وذلك الوعي في حد ذاته كافيين لأن يثيرا التساؤل عن أسباب النهوض ويحركا الهمم لتعود الى التاريخ بحثا عن وسائل الرقي في تراثنا الفكري، وتنقب في بطون الكتب عن عوامل الغلبة والتمكين. لقد صاحب هذا الاحساس تلك المجامع اللغوية التي أخذت تؤسس في العالم العربي في مصر، وسوريا والعراق والأردن وغيرها تعبيرا عن التمسك بالذات في مواجهة التحدي الحضاري، ووعيا بأن الرقي لا يكون برفض النموذج الغربي رفضا كليا وإنما نأخذ منه الإيجابيات ونرفض السلبيات ونستفيد من التجارب الإنسانية دون انسلاخ من مقوماتنا لغة ودينا، بعبارة مختصرة وعوا أن الإلتقاء مع الحضارة الغربية ينبغي أن يكون في استغلال الوسائل لا في تحطيم البدائل.
حياء التر
وهكذا ظهرت إلى حيز الوجود نهضة علمية تراثية قوية تستخدم كل الوسائل الحديثة لإحياء التراث الفكري وإغنائه والا ستفادة منه. تمثلت هذه الوسائل في المطابع والمؤسسات التعليمية، والنوادي الثقافية ودور النشر، وقوي هذا الاتجاه في العشرينيات
6
والثلاثينيات حتى إننا لنجد في العالم العربي مؤسسات علمية تكاد
تكون متخصصة في نشر التراث الفكري وإحيائها من المال وكانت لبنان هي الرائدة في هذا المجال بحكم احتكاكها المبكر مع النموذج الغربي عن طريق المسيحيين، وبحكم ا تمتع به اللبنانيون من حس تجاري، فكانوا وما يزالون متفوقين في مجال الصناعة بصفة عامة دون النظر الى التخصص في هذا المجال المعرفي أو ذاك أو هذا الاتجاه أو ذاك. فهي من هذه النظرة تعد مساعدة
بالوسائل التقنية المتطورة والتجربة الفنية العريقة .. الخ
ولكن عندما نتحدث عن إحياء التراث العربي الإسلامي بصفة خاصة، - وهذا ما يعنينا هنا - تكون الريادة لمصر وسوريا والعراق، بدون منازع. ولعل من الوفاء والتقدير أن نتذكر على سبيل المثال لا الحصر بعض المؤسسات الطباعية التي أدت دوراً هاما في هذا المجال، وارتباط اسم بعض منها بالأمهات من هذا التراث، يحتم على الباحث الموضوعي أن يذكرها فيشكرها.
ومن أوائل هذه المؤسسات مطبعة بولاق) التي عرفت بأنها من أوائل المطابع عناية بنشر أمهات التراث أمثال: صحيح البخاري، وخزانة الأدب للبغدادي، والأغاني لأبي الفرج الاصفهاني، ولسان
21