الإسلام والتطورات العالمية يحيى بن سليمان حوّاش

الإسلام والتطورات العالمية

الجزء ١ · صفحة ١٠

لذلك ترك زمرة من أصحابه ممتلئين ايمانا من مفارق رءوسهم الى لخماص أقدامهم. وكان على رأس هذه الزمرة أبوبكر الذي دافع عنها حينما تزعزعت بموت بطلها وقائدها الاعظم فخاض حروب المردة حتى رد لها عزتها وسلطانها. وكان منهم عمر بن الخطاب الذي أرسى قواعدها ورفع بنيانها وضمن لها الفعالية والخلود. وغرضنا من كل ما ذكرناه أن نضرب مثلا واقعيا ماسا بنا كل المساس فى ميدان تأسيس الحضارات وتشييدها. وهذا المثل الذى ذكرناه كاف فى الدلالة على مدى اعتماد المتكوين الحضاري على العقيدة الواضحة المركزة وعلى أن التكوين المحضاري مفتقر وبالذات الى الجانب الروحى من العقيدة افتقاره الى الجانب المادي منها. ذلك لان تلك الحضارة الاسلامية المتقدمة الذكر قد برهنت عن قدرتها على الصمود المعجز والتحدى الخالد ضد كل الزعازع والعواصف والاطوار التاريخية الناتجة عن التفاعلات الزمنية والمكانية فهى لاتزال خالدة ومتوثبة للنهوض والسيطرة على جميع المتأثيرات رغم كلما تلقته من مهاجمات ومؤامرات وعراقل طيلة ما يقرب من أربعة عشر قرنا

واليك مثل آخر يبين لنا كيف أن التكوين الحضاري اذا ارتكز على العقيدة المادية وحدها لايثمر الثمرة المطلوبة ولايؤدى الى المفرض المنشود وهذا المثل يتضح من الحضارة الاوروبية الحديثة التي لا نزال نعيش فى ظلها وقد أخذنا نستثقل ذلك المظل ونشعر أنه ظل ذو ثلاث شعب لايفنى من اللهب. فهذه الحضارة نتيجة حتمية التطور العالم وتفاعله الطبيعى المتسلسل منذ القدم. هي تيجة لماكان سائدا في أوروبا قرونا عديدة من ضغط الكنيسة وانحراف في القيم و اختلال فى التوازن الاقتصادي بين الافراد وبين الطبقات بسبب الظم الاقطاعية الفاسدة وغيرها فكان من الطبيعي أن يقع رد فعل قوى وتنفجر الطاقات الكامنة المكبوتة لتحطم تلك الآصار والاغلال التي

كانت تقيدها. فوقع التحرر والانطلاق واشتد الحنق على الماضى وعلى كل ما يتصل به وكان مجرد الشعور أو المتذكر بان المنظرية قديمة تثير اشمئزازا ونفورا وثورة عارمة فى المنفوس. فاتجهت تلك المشعوب الى محاولات جدية وعميقة لاحلال نظم جديدة وقيم مستحدثة محل القديم

المنبوذ فادت تلك المحاولات وتلك التطورات كلها الـ اکتشافات علمية متواصلة وتبدل كامل فى الاوضاع فتطورت وسائل المعيشة بسب ذلك تطورا فجائيا. وحلت الآلة محل اليد العاملة والصناعة المربحة محل الاعمال المبدائية. فنتج عن ذلك كله انحصار وسائل الحياة المادية فى أيدى الطبقة المثقفة المتحررة فكانت تعلو شيئا فشيئا في نشوة الانتصار الى الاوج على حين كانت تنحدر جماهير تلك الشعوب الى الحضيض. فحلت الراسمالية الجديدة بوسائلها الفنية العلمية محل الكنيسة والاقطاعية القديمين. فكان طبيعيا أن يقع رد فعل مرة أخرى لكنه كان هذه المرة سريعا وعنيفا ومستفلا لوسائل الحياة الجديدة انه هو الانفجار الشيوعى الذى نبتت بذوره في أواخر القرن التاسع عشر واستغلظ واستوى على سوقه في أوائل هذا المقرن ضرب أطنابه ومدها الى جميع أنحاء العالم المتمدن واستطاع المنهوض على قدميه الثابتتين في مدة قصيرة واستطاع مصاولة النظام السابق. ولا تزال الحرب سجالا بين النظامين في قسوة وعنف. وكان التسابق في وسائل التدمير موازيا للتسابق في وسائل التعمير فكان الخوف والرعب يسودان هذا العالم ويهددانه في كل حين فتحطمت الاعصاب وتنفص العيش ولم يستطع الانسان أن يستلذ هذه المدنية التى أثمرتها جهوده العريقة في المقدم. فها هو يبحث عن السعادة وعن حياة أفضل كما كان يبحث عنها أوائل أجداده فى المغاور والكهوف. وعلى ضوء ما أوردناه يجب أن نبحث عن الاسس الصالحة لحضارتنا الجديدة التي نسعى في اقامتها انضمن لها الازدهار وطول البقاء

-19 -

-14 -