الإسلام والتطورات العالمية يحيى بن سليمان حوّاش

الإسلام والتطورات العالمية

الجزء ١ · صفحة ١١

الفصل الثالث

القومية العربية والاسلام

لقد رأينا أن العقيدة هى الاساس الوحيد للتطورات البشرية كلها وأن المادية المفرطة والروحانية المتطرفة والرأسمالية الحارة المحرقة والماركسية السلبية الجامدة والتصلب الديني المنحرف المرهق والالحاد التائه الحائر المهلك وما بين ذلك من النزعات الاعتدالية السليمة وغيرها من الانظمة المختلفة التي لا تزال تدفع بالبشر الى الامام لا باعث له الا العقيدة والايمان.

•

اننى لا أومن بشيء بعد الله ايماني بأن العقيدة والايمان هما كل شيء في هذه الحياة. ونجاح العقيدة متوقف على أمرين اثنين على مقدار عمقها وقوتها وعلى مقدار وضوحها وصلاحيتها للبقاء فالعقيدة الضعيفة الخافتة مهما كانت صالحة للبقاء لا تؤتى ثمرتها ولا تعمل شيئا فى الحياة. والعقيدة القوية المؤثرة التي تحرك وتوجه وتفيض حيوية ونشاطا اذا خلت من عناصر الصلاحية للبقاء فلا تلبث أن تتبخر كما تتبخر الثلوج المتراكمة عندما تتسلط أشعة. الشمس عليها. وتلك العقيدة الخاوية من عناصر الصلاحية للبقاء انما هي تهوس وتهور وزبد أجوف لا يلبث أن يتلاشى. (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض) - (ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتى أكلها كل حين باذن ربها ويضرب الله الامثال للناس لعلهم يتذكرون.

ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار) صدق الله العظيم

•

فقد عبر القرآن على عادته عن العقيدة أو المبدأ حسب التعبير العرفي الحديث. عبر عن ذلك بالكلمة وشخص المثل تشخيصا حسيا يستقر في الاذهان ويرتقى بها الى الدرجة العليا من العمق والاستقرار. فقد ضرب مثلا واضحا للعقيدتين، فمثل العقيدة الصالحة بالشجرة الطيبة الثابتة أصولها والباسقة فروعها، بحيث يكاد يستدل على المزعازع والاعاصير اقتلاعها، ومثل للعقيدة الخبيثة بالشجرة الخبيثة التى لا تحميها عروق ضاربة في الارض ولا فروع ممتدة في السماء فذلك مثل واضح العقيدتين الطيبة الصالحة للبقاء والخبيثة التائهة التى لا تستطيع أن تبقى أكثر من حال فعلى مقدار نوع العقيدة التي نختارها لأنفسنا وعلى مقدار قوتها فينا واحتضاننا لها وعلى مقدار صلاحيتها للبقاء يكون نجاحنا في بناء وتشييد حضارتنا العربية الكبرى ولا شك أن من أهم جوانب العقيدة أو النواة التي يحاول ساسة العرب أن يقيموا حولها نهضتنا المقبلة هي ما نسميه بالقومية العربية. ذلك لان المعرب لما أخذوا يفيقون من سباتهم العميق تلفتوا حولهم واكتشفوا أنفسهم واكتشفوا نسبتهم الى الامم المحيطة بهم وشعروا بأن فيهم قوة كامنة يمكن أن تبرز الى الموجود وتعمل عملها في القوى البشرية المختلفة. فكان لابد له من عروة وثقى يعتصمون بها جميعا کي تساعدهم على النهوض والالتحاق بالامم المعاصرة لهم والتى سبقتهم فى ميدان الحياة بمسافات شاسعة ولابد لهم من معراج سامق يعينهم على الصعود الى أعلى الدرجات. ولابد لهم من قبس يضيء لهم الطريق الشائك الطويل المدى فكانت تلك العروة الوثقى وذلك المعراج السامق وذلك القبس المضيء هو القومية العربية.

- 21 -