الإسلام والتطورات العالمية
الجزء ١ · صفحة ٩فردا وتحركها نحو هدف واحد. فحينئذ فقط نكون قد أعددناها التقبل الامانة بكامل الرغبة والمنشوة والحرارة والكفاءة اللازمة لبناء ما نصبو اليه من مجد وحضارة وعظمة
اذ لا شك أنك لا تأخذ فى بناء قصر الا اذا أعددت له بناء ماهرا و مهندسا بارعا. وكذلك الامر بالنسبة الينا والى الحضارة التي نحن الآن بصدد اعدادها واقامة أسسها
صحيح أنه قد كان لنا ماض زاخر مجيد وصحيح أنه قد سبق أن انشأنا مدنية رائعة مشرقة استمرت تنعش العالم بضوئها وحرارتها وعناصرها المنعشة زهاء سبعة قرون. ولكن أليس من الواجب علينا أن نبحث عن العوامل التى بها نجحت تلك المدنية وأتت أكلها انستمد منها ما يصلح أن يكون مادة لبناء حضارتنا المقبلة
ان النور الذى كان يستضيء به أقدم انسان على وجه الارض هو نفسه الدور الذي نستضى به فى عصرنا. وهو الذي يستفى به آخر انسان على وجه الأرض والغذاء هو الغذاء والنسيم هو النسيم. فعناصر البناء هى هى فى كل زمان. وعناصر التخريب هي هي في كل زمان فالتفاعل الطبيعي للعالم البشرى وان كان يمسها من حيث الشكلية فلا يمسها من حيث الجوهرية. أما نحن فنرى أن العامل الوحيد الذى نجحت به حضارة العرب الاسلامية الخالدة هو المعامل الذي قامت به وعليه جميع الحضارات البشرية هو العقـ يدة والايمان. فالعقيدة والايمان معناهما الحب الصادق. معناهما الدوران حول الشيء الذى تعتقده وتؤمن به وايثارك له عن كل ما سواه وأن تفنى فيه وأنت مستبشر مسرور مستمتع بذلك الفناء. فاذا اجتمعت أمة على مثل هذه العقيدة وكانت تلك العقيدة وذلك الايمان مركزين على مبادئى معينة وأهداف محددة بلغت أهدافها ونجحت في سيرها مهما كانت المعقبات ومهما طال الطريق.
والعقيدة التي ارتكزت عليها حضارتنا الأولى هي عقيدة الاسلام والايمان بالرسول الاعظم وبما جاء به من الحق من عند الله. والا فمن هم المعرب قبل الاسلام؟ وما قيمتهم فى العالم قبل مجيء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟ أن العرب قد أتى عليهم حين من الدهر لم يكونوا شيئا مذكورا خصوصا في القرون التي سبقت بزوغ فجر الرسالة العظمى. أنهم كانوا طائفتين: طائفة هائمة داخل صحراء الجزيرة تعيش على النهب والسلب والسطو على القوافل والارزاق شريعتها هي شريعة الغاب. ليس لها نظام جامع ولا قانون رادع. تقتل أولادها من الاملاق وتئد بناتها خوف العار. وطائفة استقرت في أطراف الجزيرة خاضعة لملوك الفرس والروم مستعبدون فى الارض ليتحصن بهم أولئك الملوك من هجمات أبناء جنسهم فى الصحراء ويستغلونهم في حروبهم مع أعدائهم حتى جاء محمد بن عبد الله وأفرغ في قلوبهم عقيدة راسخة واضحة وحدت شتاتهم وألفت بين قلوبهم وجعلتهم أمة واحدة. جعلتهم اخوانا بعد أن كانوا أعداء على شفا حفرة من النار. جعلتهم كثرة بعد أن كانوا قليلا) واذكروا اذ أنتم قليل مستضعفون في الارض تخافون أن يتخطفكم الناس .. جعلتهم أمة وسطا فكانوا خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله
ان عقيدة الايمان بالله واليوم الآخر هى التى أثرت في سلوكهـ وحولت عوائدهم وتقاليدهم وسيطرت على تفكيرهم وطريقة معيشتهم فنقلتهم من رعى الابل والبقر الى قيادة أمم كثيرة من أهل التقدم والحضر.
ولقد نجح القائد الأعظم صلى ا لله عليه وسلم من تمكين هذه العقيدة التي تعدهم لتمثيل دورهم العظيم فى توجيه العالم بعد معركة مريرة في منتهى القسوة والعنف استمرت مدة ثلاث وعشرين سنة.
- 1 V-
-17 -