الإسلام والتطورات العالمية يحيى بن سليمان حوّاش

الإسلام والتطورات العالمية

الجزء ١ · صفحة ١٢

ولا يفوتنا أن نذكر أن العرب قد فتحوا أعينهم على العالم في عصر يدعى بأنه عصر القوميات وذلك فى أواخر القرن الماضي وفي أوائل هذا المقرن. فهم اذن متأثرون الى حد كبير بالامم المتخلفة التي تحاول مثلهم النهوض على أقدامها فكان كل أمة من الامم التي حولهم تحاول النهوض على أساس قوميتها الخاصة تخلصا من ضغط الاستعمار المسلط عليها من قبل الامم التى هى أرقى منها. ولقد أصبحت كلمة القومية العربية هي الاغنية التي يتغنى بها أبناؤنا والانشودة التي تلهب حماسنا وشعارنا الذى منه تبتدئ نقطة انطلاقنا. ولقد أصبحت مثارا لفخرنا واعتزازنا. ولكن ما معنى القومية العربية وما هو مدلولها الحقيقي .. ؟ وماهو الحد الجامع الذي يشخص ويوضح صورتها ويفصلها ويميزها عن كل ما عداها؟

تلك هي الاسئلة التي كانت تنتظر الجواب. غير أن هذه الكلمة التي بدت فى أول الامر غامضة ما لبثت أن نوقشت في الكتب والمجلات وفي المعاهد والجامعات. وكانت الغاية من مناقشتها تحليل معناها ومدلولها الفلسفية بالنسبة الى الاجيال الصاعدة حتى نرس نهضتها على قواعد متينة لاتقبل المتضعضع ولا التفتيت. فكلمة القومية العربية كلمة غامضة مختلفة المفاهيم. فقد تطبع هذه الكلمة فى ضميرك صورة غير الصورة التي تطبعها في ضميري آنا وقد يفهم منها غيرنا غير الذى فهمناه منها جميعا وذاك ما يحتم علينا أن نحدد مدلولها ونكون على بصيرة من مفاهيمها المختلفة انشيد مستقبلنا ونربى نشأنا على فلسفة كاملة التكوين مشرقة المعالم متينة القواعد والاركان

فاذا قلت أنا عربي وأعتز بعروبتى وأدافع عنها الى آخر رمق ولا أعدل بها شيئا سواها. فهل تعنى باعتزازك هذا انتسابك الى العرب الاقحاح الأولين وانك من سلالتهم ومن عرقهم أم أنت تعتز بارضك العربية التي نشأت فيها و أنعشتك بنسيمها وغذتك بمنتوجاتها

ام انت تعتز بلغتك التي تنطق بها وتقاليدها التي ورثتها وثقافتك التي تأثرت بها؟ أم أنت تعتز بمجموع ذلك كله؟ اذ لاريب أن دفاعك عن شيء ما

و ايمانك به مبنى على مقدار اعتقادك لصلاحيته وأفضليته عن ما

عداه.

أما نحن فنقول ان الاعتزاز بعنصر أو عرق مهما كان والدفاع عنه على أساس الاعتقاد بأنه أفضل من سواه انما هو ضرب من المرهم والمغرور وضرب من الجهل والانحطاط وهذا هو عين التمييز العنصرى الذى نحاربه بكل طاقاتنا والذى لايقره منطق سليم ولا قاعدة علمية ولا شريعة الاهية. على أن العرب أنفسهم في المعهود السالفة لم يكونوا يقيمون كبير وزن لهذا الاعتبار. ولا يعد المعربي عندهم هو من ينتسب الى أقدم عربى فى العالم فقط. والا فمن ذا الذي ينكر عربية بشار بن برد الذى هو من فحول الشعراء - وعبد الله ابن المقفع الذى يعد من فحول الكتاب - ومحمد بن اسماعيل البخارى اشهر المحدثين على الاطلاق - والمفيروزبادي صاحب المقموس المحيط ومئات من أمثالهم الذين استعربوا فى المعصر الجاهلي وفي العصر الاسلامى على السواء. وما لنا نذهب بعيدا؟. أليس رسول الله صلى الله عليه وسلم تفسه وقريش التي تعد ذروة السنم بالنسبة الى جميع المعرب. اليست هذه القبيلة من العرب المستعربة؟ اليسوا من بنى اسماعيل بن ابراهيم الذي هو عجمي باجماع المؤرخين .. ؟ وما الفرق بين أن يستعرب انسان قبل أربعة آلاف سنة وبين أن يستعرب فى القرن العشرين. بل نقول ان السلالة العربية الخالصة لا وجود لها فى عصرنا هذا لان المصاهرة والمهاجرة والمخالطة المستمرة قد قضت تماما على هذا الاعتبار لا سيما بعد الفتح الاسلامى. ونستطيع أن نقول أن جميع العرب الموجودين في عصرنا هذا تقريبا انما هم من العرب المستعربة. فالاعتزاز اذن

-