الإسلام والتطورات العالمية يحيى بن سليمان حوّاش

الإسلام والتطورات العالمية

الجزء ١ · صفحة ١٣

بالانتساب الى هذا العنصر المعين انما هو هراء ووهم لا ينبنى على أساس صحيح. ولا اعتبار أيضا في العروبة بالجانب الوطنى لان مجرد نشأة انسان ما فى أرض عربية لا تجعله عربيا ما دام مجردا من خصائص العرب ومقوماتهم كما أن العربي الذي ينشأ ويترعرع في أرض عجمية لا تجرده تلك النشأة من عربيته ما دام محتفظا بخصائصه الاصيلة. على أن الموطن المعربي الاصلى لا يتجاوز شبه الجزيرة العربية. وهل يقال ان العرب الذين خرجوا من تلك المنطقة حاملين لخصائصهم وتقاليدهم ونشروها في البلاد الني نزلوها وعربوا أهلها ومحت تلك الخصائص التي نقلوها خصائص البلاد التي عربوها هل يقال أن هؤلاء هم الذين استعجموا في حين أن المواقع يصرح بأن تلك البلاد هي التي قد استعربت حيث نسيت لفتها ومعتقداتها وعاداتها وآدابها واستبدلت ذلك كله بما حملت العرب المنازحون من دين ولغة وآداب وعادات

ومما ذكرناه يتبين لك أن العروبة أو القومية العربية لا تنبني الا على الجانب الثقافي فقط. فلا عبرة عندنا بالسلالة ولا بالوطن. فلو أن شعبا من شعوب افريقيا أو آسيا مثل نجيريا أو أندونيسيا اعتنق لغة العرب واستبدلها بلغته واستمد آدابه وتقاليده من الثقافة العربية لعد من الشعوب المستعربة وانطبقت عليه كلمة القومية العربية.

وقد وقع ذلك فعلا بالنسبة الى كثير من الشعوب ولا أدل على ذلك من اعتناق الشعب السودانى للقومية المعربية وانخراطهم في جامعتها. واذا قلنا المعتبر فى هذا المقام هو الجانب الثقافي فقط فاننا نعنى بالثقافة اللغة والدين والتقاليد الموروثة واذا صح أن يكون تفاضل بين شعب وشعب وبين انسان وانسان فانما يكون من حيث أنواع الثقافات ومقاديرها. واذا صح أن نعتز بالثقافة العربية ونستمسك بها ونستبدلها بما عداها من الثقافات الاخرى

•

فلخصوبتها وسعتها وقابليتها للتطور ولما أفرغ عليها الاسلام من حيوية لا نهاية لها. ولئن انتقد بعض الناس اللغة العربية فوصفوها بالضيق والمعقم والقصور فلبعدهم عنها وضيق عطنهم وقصور باعهم فيها. أن الثقافة العربية لم تجد بعد من يقدرها حق قدرها وأن كانت بوادر العودة اليها واكتشاف أسرارها قد أخذت تلوح في الافق. ذلك لان الاستعمار الاوروبى لم يستول على الاراضي الا بعد أن استولى على الافكار. والاحتلال المفكرى دائما يسبق الاحتلال العسكرى والادارى. أما وقد أخذت قيود أوروبا تخف وطأتها عنا شيئا فشيئا فقد أصبح الجو ملائما لان نستغل ما في ثقافتنا من أسرار كما أصبح ملائما لان نستغل ما في أرضنا من کنوز. ولعل هذا التحمس العظيم وهذه الدعوة المستمرة للقومية العربية سيكون من نتائجها الحتمية تذوق ثقافتنا واعتنانها والتمكن منها نعم أن كثيرا من الذين ينادون بهذه القومية ويدعون الايمان بها لا يزالون يستمدون ثقافتهم من أوروبا فعاداتهم ومعتقداتهم وطريقة معاشهم بل ولفتهم التي ينطقون بها كل ذلك أوروبي أكثر منه عربى. ولكن هذا لا يبعث على التشاؤم واليأس لان الانتقال من مبدأ الى مبدأ لابد له من استهلاك مدة طويلة من الزمن على شرط أن يجد هذا المبدأ الجديد من ينعشه ويغذيه حتى يتمكن تدريجيا في النفوس وفي نظرنا أن القومية العربية لا تستقر جذورها في شعوبنا ولا تؤدى الى النتيجة المطلوبة الا اذا اقترنت وتركزت على الدعوة الى الرجوع القواعد الاسلامية الصحيحة وترسيخها. فان العربية لم تكسب ولن تكسب خلودها الا بواسطة هذا الدين القويم. ولولاه لكانت ربما قد فنيت منذ زمن بعيد أضف الى ذلك أن الحضارة الحديثة قد قامت على اللغات الاجنبية. ونحن العرب لابد لنا من

- 25 -

- YE-