الإسلام والتطورات العالمية يحيى بن سليمان حوّاش

الإسلام والتطورات العالمية

الجزء ١ · صفحة ١٤

مسايرة الركب المندفع بسرعة الى الامام جنبا الى جنب في جميع الميادين. فلا يمكن لنا أن نعود الى الوراء فمادام الطريق معبدا أمامنا ومادامت حاجاتنا الحضارية كلها متوفرة في تلك اللغات فما الذى يحتم علينا تجشم المشقة فى بعث لغة قد مضى أهلها وأصبحنا

في غنى عنها. هذا ما يقوله خصوم بعث اللغة العربية واحيائها

ومن ثم نرى أن الدعوة الى نشر اللغة العربية وبعثها من جديد لا تنجح الا اذا كانت جزءا لا يتجزأ من الدعوة الى نشر ثقافة العرب المقومية بمعناها الواسع وأحياء كل ما يمكن احياؤه من تراثهم المفكرى والأدبى. فان علاقة الملغة بالفكر هي علاقة المادة بالروح

أو الظرف بالمظروف. فلابد من التناسق والانسجام التام بينهما وفي نظرنا أنه اذا حاولنا احياء لغتنا مع بقائنا متعلقين تعلقا مطلقا بالاتجاه الفكري والادبى للغرب فاننا سنتعب كثيرا ونجني قليلا ويكون مثلنا كمثل من يحاول أن يشحن بالتمر ظروفا وضعت لتمنا

بالخمر

وليس معنى ما ذكرناه أنه يجب علينا أن نبقى مقيدين بالمدار الذى كان يدور فيه امرؤ القيس أو الاخطل أو المتنبئ. كلا أننا نعتقد أن قانون النشوء والارتقاء سار على اللغات كما هو سار على جميع ما فى الطبيعة من أشياء. فلكى تعيش لغتنا وتنتعش اذن يجب تطويرها وترقيتها وتطعيمها بكل ما يناسب واقعنا وعالمنا الحاضر

فالتطعيم والتطوير شيء وارغام الاجيال الصاعدة على تحمل المتناقضات شيء آخر. ولعل كثيرا من أدباء عصرنا الذين ينقمون على اللغة العربية ويستثقلونها ويصفونها بالعقم وبعدم الصلاحية

للبقاء انما يفعلون ذلك لان نفوسهم تكونت تكوينا أوروبيا صرفا هذا من جهة ومن جهة أخرى أصبحوا مرغمين بمقتضى ظروفهم وأوضاعهم على المنطق باللغة العربية وافراغ تلك الثقافة التى

كونتهم فكريا وتلك المعانى الغريبة عن أذواقهم النفسية افراغ تلك المعانى هكذا بدون تحويل لها الى ما يناسب تلك الاذواق في قوالب وأساليب اللغة العربية. فهم أذن يجدون أنفسهم دائما في حالة تناقض مستمر. أضف الى هذا أن تخلف العالم العربي مدة قرون. كثيرة فكريا وأدبيا وسياسيا واقتصاديا وغير ذلك من ميادين الحياة هذا التخلف الشامل كان ضروريا أن يستلزم التخلف في اللغة التي ينطقون بها. فالعقم الذى ينسبه الكثير الى اللغة العربية اذن لميس عقما ذاتيا وليس ناتجا عن طبيعة تلك اللغة نفسها بل هو ناتج عن تخلف أهلها في ميادين الحياة. فهو عارض خارج عن طبيعتها فا اللغة مثلها كمثل الشجرة ان سقيتها انتعشت فاذا هرمت تركت البذور التى تحفظ نوعها. وأن أهملتها ذبلت وجفت وأصبحت هشيما تذروه الرياح. ونحن نعتقد أن اللغة العربية قد أمدها دين الإسلام بمعين لا ينضب أبدا وأنه قد أكسبها الخلود أو برهن على أنها مستعدة من حيث طبيعتها للخلود. والاسلام هو الذي اكتشف ما تحتوى عليه العقلية العربية من الطاقات الخلاقة الهائلة التي لا نهاية لها. لذلك استطاعوا أن يغزوا بلفتهم معظم القارات الثلاث كلها في مدة قرن من الزمن أو تزيد قليلا. واستطاعوا أن يسودوها على كثير من اللغات وأن ينقلوها من طور البدائية الى طور الحضارة الراقية بكل ما تقتضيه كلمة الحضارة من معنى فهذبوا تلك اللغة وطووا بها مراحل كثيرة من حيث خطها ومن حيث أساليها ومن حيث انتقاء كلماتها كما وضعوا لها قواعد ثابتة تحدد اطارها وتيسر فهمها وترفع الكلفة عن طالبها. ولم تكن اللغة عائقا للعرب يوما من الايام عن التقدم فى أى ميدان من ميادين الحياة. ولغة هي لسان ابن رشد و ابن سينا وأبي حامد الغزالي وهي لسان جابر بن حيان وأبى نصر الفرابى وابن الهيثم وهي لسان المتنبي والجاحظ وابن العميد لغة هي لسان هؤلاء كلهم وألوف من اضرابهم لا يمكن أن يصفها بالعقم الا من كان هو نفسه عقيما وفي

—

- TV-

1371