الإسلام والتطورات العالمية
الجزء ١ · صفحة ١٩الذي يسمى بالاقتصاد الحر في صورته التي نشاهده عليها. فان ذلك أبعد ما يكون من المعقول
ومن المؤسف أن تلطخ هذه الشريعة البيضاء على أيدى الذين يدعون الانتساب اليها والذين كان المفروض أن يكونوا أشد دفاعا عنها وأعمق فهما وتصورا لها. فكثيرا ما يفسرون الآيات القرآنية على غير وجهها جهلا منهم بالمقاصد الشرعية العليا وتأثرا بالميول والأوضاع المحيطة بهم. وقد وقع كثير من ذلك خاصة في الآيات التي لها صلة بالنظام الاقتصادى مثل قوله تعالى (نحن قمسنا بينهم معيشتهم فى الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون). وقوله: (والله فضل بعضكم على بعض فى المرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء). هذه الآيات وأضرابها يستدل بها بعض المعامة على ان النظام الاقتصادي الاسلام هو النظام الراسمالي على حين أنها أقرب للدلالة على عکس مايدعون فهى تذم الملهم والانكباب على اكتناز الاموال وتثير في الانسان المسلم الرحمة وتوجهه الى العمل الانساني الذى لاعوظ له الا رحمة الله ورحمة ربك خير مما يجمعون) فهو يطمئننا الى أن الرزق مقسوم فلا معنى للجرى وراء المعيشة بلهف ولوث. أما قوله ليتخذ بعضهم بعضا سخريا) فمن التحريف أن تفسره بما يطبقه النظام الرأسمالي فقط من استغلال وتسخير الانسان الانسان. فان كون الناس على تفاوت كبير فى المراتب العقلية لا يمكن أن يقضى عليه أي نظام من المنظم الاقتصادية ولا صلة له بتلك النظم اطلاقا لان الانسان في النظام الشيوعي مثلا لا يمكن أن تكون أفراده كلهم على مرتبة واحدة. فهناك العامل البسيط وهناك المرئيس والمدير وهناك الحاكم والمحكوم. ومن ثم يكون المسخر والمسخر. فالتفاضل بين أفراد الانسان أنما يكون من حيث الذكاء وقوة الارادة وغير ذلك من
•
الاستعدادات المختلفة وهو الذى يجعل من الانسان قائدا ومقردا. واذا قيل أن القرآن لم ينص قط على ما يقتضيه النظام الاشتراكي
•
من تحديد الملكية ولا على جوازه قلنا ولم ينص كذلك على تحريم التحديد. فتحديد الملكية واطلاقها من قبيل المسكوت عنه شرعا وما كان كذلك كان النظر فيه الى الشعوب الاسلامية وقادتها فيباح أو يمنع أو يفرض حسب ما تقتضيه المصلحة العامة وحسب ما توجبه الظروف والملابسات. ومن السذاجة والمتطفل على اصدار الاحكام الشرعية أن يستدل بالنصوص التي تحرم الغصب والسرقة والخيانة فى هذا المقام. لان علاقة الدولة بالشعب لا تقاس بعلاقة الأفراد بعض م ببعض. فان الدولة لا تتكون الا على أساس رعاية مصالح الشعب عامة. لهذا ساغ لها أن تضع الضرائب على الرعية وتلزمها بدفعها. على أن القرآن قد أشار في آيات كثيرة الى مشروعية التحديد مثل قوله (وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) وقوله (وآتوهم من مال الله الذى آتاكم). فقد حكم في هاتين الآيتين بأن المالك الحقيقى للمال ليس هو الشخص الذي جمعه بل هو الله. ولا شك أن خلفاء المله في أرضه هم قادة هذه الشعوب ومسيروها. اللهم الا أن أساءوا التصرف واستغلوا خلافتهم لاغراضهم الدنيئة. فان عقابهم يكون من حيث اساءتهم واستغلالهم المركزهم لا غير. ومما يشير الى اشتراكية الاسلام آية سورة الحشر (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم). ومدار القضية كله على هذا التمايل (كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم (فالاسلام اذن يحاول أن يحد من تكدس الثروات وانحصارها فى طبقة خاصة. وليس علينا أن نورد جميع الآيات والاحاديث المواردة فى هذا المقام. ولكن هل تصدق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أول من قرر التأميم وأمر به؟ انه يقول (المناس شركاء في ثلاث: الماء والمحطب والكلا). فقضى
- TV-
- 36 -