الإسلام والتطورات العالمية يحيى بن سليمان حوّاش

الإسلام والتطورات العالمية

الجزء ١ · صفحة ٣٣

المنطقة أو تعقيم الرحم على قتل الاطفال بعد أن أصبحوا بشرا سويا فهو قياس مع وجود المفارق كما يقول الأصوليون. فاحتجاجهم

في هذا المقام بنحو قوله تعالى (ولا تقتلوا أولادكم خشية املاق) احتجاج خاطئ. على أن مشكلة تحديد النسل ليست من المشكلات المختصة بعصرنا هذا. فانها مشكلة قديمة وقد طرقها قدماء الفقهاء من المسلمين في كتبهم واختلفت فيها نظرياتهم بل قد اختلف فيها الصحابة أنفسهم حتى قال جابر بن عبد الله: كنا نعزل والقرآن ينزل. والعزل (1) هو الوسيلة الوحيدة لمنع الأسل يومئذ. ولقد هم رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه أن يحدد النسل بوجه من الوجوه قال: (لقد هممت أن أنهى عن الغيلة فرأيت الروم والفرس يصنعونها ولا تضر بأولادهم «. ـ فأفهمنا أن علة عدوله عن النهى هى عدم وجود الخطر من الفيلة حينئذ. فتوقع الخطر اذن يستلزم النهى. (والفيلة لغة هي الجماع في شهور الرضاع).

ثم أنه لو كان تعقيم المنطفة من قبيل قتل الاولاد كما يدعى أولئك المتطفلون على الشريعة لحرم المتزوج بالمرأة المعاقر. على أن الحياة البشرية قد تطورت حتى أصبحت مختلفة عن الحياة القديمة تماما سواء فى شكلها ومظهرها أو فى روحها وجوهرها. فأصبحت معقدة الى حد بعيد. فوسائل تربية النسل وغاياتها مختلفة في عصرنا هذا عن ماكانت عليه في عصر أجدادنا والاسلام من حيث أنه دين خالد. من قواعده الثابتة مراعاة مثل هذه الفروق ولاحظتها ولو تركت الامة وشأنها فى تكثير النسل وتوفيره مع العجز عن توفير أسباب الحياة الملازمة لكانت النتيجة الحتمية انتشار الجهل والفقر والمرض والبطالة وبالتالي انتشار الفوضى والجريمة والفتنة والفساد في الارض. فقد يكون العمل على تحديد النسل اذن من باب العمل (1) العزل: هو افراغ النطفة خارج الفرج ويقع ذلك غالبا تهربا من الحمل

على توفير وسائل السعادة والراحة والسلام وغير ذلك مما هو الهدف الحقيقى من الرسالات الالهية

ومن وسائل تحديد النسل: التقييد من تعدد الزوجات ومن المزواج المبكر الذى كثيرا ما يحدث قبل الأوان. والانعتاق مما كان عليه العالم الاسلامى من عادات فاسدة التعاليم الدين الحنيف ولما يقتضيه المنطق الصحيح وهو الطلاق المفوضاوي الذي لا يرتكز على أساس معقول. ومن الغريب حقا أن نرى الفرق الهائل الذي كان بين هذا الدين المثالى وما يدعو اليه من المبادئ السليمة وبين ما أصبح عليه معتنقوه من انحراف بعيد وانحطاط الى الدرك الاسفل في كثير من الميادين وسر هذا عندنا واضح بسيط وهو أن المسلمين كانوا يعتمدون في نشر دينهم غالبا على مجرد الوعظ والارشاد لا على التشريعات القضائية والعقوبات الرادعة التى تحمى مبادئه وترسخها في النفوس حتى تصبح جزءا من كيان الشعب الاسلامي. فرغم تشديد الشارع تشديدا صارما فى أمر الطلاق ورغم تحريضه وايجابه للمحافظة على العلاقات الزوجية قدر الامكان. حتي روي آن آخر ما قاله الرسول (صلى الله عليه وسلم) فى حياته (اتقوا الله في النساء وما ملكت اليمين) رغم كل ذلك نرى أن فصل العلاقات الزوجية كان عند المسلمين شيئا هينا بسيطا ليس له من الاهمية عندهم قليل ولا كثير. وهذا المرض الاجتماعي قد أدى الى ضياع كثير من النسل وانحلاله واخطر من ذلك كله زوال ثقة الرجل من المرأة وثقة المرأة من الرجل. وحيث تنعدم الثقة ينهار البنيان على قواعده لهذا اعتنى الشارع كثيرا بهذه المسألة وأولاها ما تستحقه من الشرح والتفصيل فانزل فيها سورة كاملة خصص لها معظمها هي

•

-10 -

<-78 -