الإسلام والتطورات العالمية
الجزء ١ · صفحة ٣٥الذكر والتذكر والذكرى والتذكرة وغير ذلك من المعاني التي تدل على
ان وظيفة الرسول انما هى مجرد تنشيط وتحريك لجانب من جوانب الفصل السادس طبيعة الانسان المتعددة الاطراف والاتجاهات. وهكذا لم تزل
الاسلام والتطورات العالمية من الوجهة
العقائدية
لقد كانت البشرية تتجاذبها منذ أول عهدها نزعتان مختلفتان: الاولى - مادية حسية نفعية تستمد كيانها مما ركز في الفطرة من اعتبار الملذة والالم. والنزعة الثانية روحية معنوية غيبية تستمد كيانها مما ركز فى أعماق الفطرة من احساس بأن هناك شيئا ما وراء الطبيعة مجهولا له الهيمنة العليا فالمنزعتان اذن كلاهما تنبثقان من ينبوع الفطرة التى ركب عليها البشر. الا أن هاتين النزعتين تختلف نسبتهما فى الافراد قوة وضعفا. فمن كانت النزعة الاولى أقوى فيه نسبة من النزعة الثانية سمى ماديا أو ملحدا أو غير ذلك من الاسماء المتعارف عليها. ومن كانت النزعة الثانية اقوى فيه من النزعة الأولى سميناه روحانيا أو متدينا أو ما أشبه ذلك من الاسماء. فمن المستحيل أن تختفى احدى النزعتين أو كلتاهما تماما من أي فرد من الأفراد وانما كانت المعركة مستمرة من قبل اختلاف نسب النزعتين فى الافراد ومن ثم يتبين لنا أن التدين جزء من فطرة الانسان وطبيعته التى لا ينفك عنها ولا تنفك عنه ما دام موجودا على هذه الارض. أما وظيفة الانبياء والمرسل والزعماء الدينيين فانما هي اذكاء هذا الميل الطبيعي وتغذيته وتوجيهه وتطويره تطويرا سليما حسب ما تقتضيه الظروف والأوضاع المتغيرة بتغير التاريخ. لهذا سمى القرآن ذكرا. وأكثر من كلمة
المعركة تدور رحاها حول تينك المنزعتين بين أفراد البشر الى أن تغير العالم تغيرا فجائيا وجذريا في القرنين الماضيين. فطفت هذه المدنية الحديثة الجارفة وخليت الألباب ببريقها ولمعانها فانجذبت البشرية اليها انجذاب الفراشة الى مركز الضوء طربا وانتشاء ففتر ذلك النزاع العقائدى نوعا ما. فتحولت المعركة تبعا لتحول الأوضاع المتباينة لهذه المادية الطاغية. فاستولت الشيوعية والرأسمالية وما بين ذلك من المذاهب الاقتصادية على طرفى المعركة الكبرى فأصبحت المعركة القديمة في الدرجة الثانية بالنسبة للبشرية جمعاء. غير أنها لم تنسحب ولن تنسحب من الوجود بالكلية بل ستعود قريبا الى مرتبتها الأولى. وقد اخذت في المعودة
ـلا
فان الفتور الذى أصاب المعركة الاولى والذي نقلها من الميدان الاول الى الميدان المثانى انما كان نتيجة ظروف استثنائية لا تلبث أن تزول. فالفترة التي مرت عليها البشرية فى المقرنين الماضيين انما هي مرحلة انتقالية اجتازتها لتنتقل من طور ذلك الماضي المند البسيط الى هذا الطور المعقد المتصف بالسرعة المعلمية والمفاجات. لذلك أصيبت البشرية حينئذ بهزة نفسية عنيفة وأصيبت بصدمة قوية في كيانها المفكرى والمعقائدى حتى وقعت في شبه ذهول عن نفسها ففرقت في بحر من التيه والحيرة والمفرور. ولقد صدق من سمى ذلك العصر بعصر المغرور المعلمى. ومنهم المقبل سوف الفرنسي) قوستاف لوبون (أما الآن فقد أخذت الانسانية نفيق من سباتها وتبحث عن نفسها وتشعر بخطر ذلك المفرور المعلمي الذي كان يحيط بها وتشعر أيضا بخطأ ظنها أنها قد بلغت المرحلة
-79 -
174 -