الإسلام والتطورات العالمية
الجزء ١ · صفحة ٣٦النهائية فى الميدان المعلمى والمفكرى. فقد تبين لها أن ما بلغته من المعلم والمفكر ما هو الا نقطة من الفضاء اللانهائي وخطوة أولى في طريق مظلم مجهول طويل لا حد له.
تبين لها كل ذلك فأخذت تبحث عن ركن شديد من العقيدة والايمان تأوى اليه وعن قبس من نور يكشف لها مواقع أقدامها في تلك الظلمات الحائرة الحالكة التى لا نهاية لها. وما أصاب البشرية في المعصر الماضى من اضطراب و افراط شيء طبيعي بالنسبة لتطورها. مثلها في ذلك مثل الانسان الذى ينمو صغيرا حتى اذا بلغ الحلم أصابه من المغلمة والمثوران ما يخرجه عن النصد ويؤدى به الى الشطط فاذا تقدمت به السن عاد اليه رشده واتسم بشيء من المرصانة والاعتدال. لهذا نؤمن بان المستقبل الفكرى للبشر قد أخذ يعتدل ويعود اليه توازنه الطبيعى بعد أن احتل بسبب ما شرحناه. فالعاقبة الحتمية ستكون للعقيدة السليمة والبحث عنها ومحاولة الوصول اليها.
ولئن ساد المفرور المعالم فى العصر الماضى وسادته الحيرة والشك والبحث في عصرنا هذا فسيسوده اليقين والموصول الى الاطمئنان في المستقبل القريب
فان الشك أول درجات اليقين.
وسيتبين لك ما شرحناه لو قارنت بين ما كانت عليه أوروبا في القرن التاسع عشر من المنفور والابتعاد عن أية عقيدة دينية والاجتهاد فى تحطيمها وبين ما أصبحت عليه الآن من العطف على تلك العقائد الدينية التى كانت تنفر عنها كل النفور ومن تأييدها ومحاولة التقرب منها. وانما ضربنا مثلا باوروبا لانها كـ المركز الوحيد التطور الحضاري يومئذ. ونظرة قصيرة الى ما نتج عن الثورة الفرنسية والثورة التركية والثورة الحمراء الروسية
انت
وغيرها من المثورات التي قامت حينئذ ضد العقيدة الدينية وما كان
لها من أثر عميق في انتشار موجات الالحاد والاباحية في العالم نظرة قصيرة الى ذلك تكفى لان يتضح لك جليا صواب ما تقدم من البحث في هذا المقام. وها نحن الآن نرى البشرية أخذت تشعر بأن المشقاء الذى يصيبها لم يكن مصدره التدين كما كانت تتوهم من قبل يوم ثارت على العقيدة انقاذا لنفسها وتحررا من قيودها المرهقة على زعمها بل أدركت أن ذلك الشقاء قد ازداد على ما كان من قبل وأن تلك العلوم المادية والمنظريات الحديثة لم تستطع أن تخفف من ويلاتها شيئا كما كانت تتوقع حين استبدلت هذه العلوم والنظريات بالعقيدة الدينية الماضية ان الاعصاب قد أصبحت محطمة والحياة ملتوية والخيانة منشورة والمعهود مارجة وأصبح القلق والحيرة والمتردد من اخص خصائص أهل هذا العصر الذى نعيش فيه. وهذا هو الذي يضطر البشرية من جديد الى أن تضعف ثقتها بمعارفها ونظرياتها الحديثة
وتحاول البحث عن عقيدة تحميها وتأريها وتتحصن بها وسوف لا تكون هذه المعقيدة الاعقيدة الاسلام لان هذا الدين دين يسر قابل للتطور مرن مطابق للفطرة ليس فيه من التعقيد والالتواء ما يعوق البشر عن اعتناقه. والعائق الوحيد الذي يعوق الاسلام عن أن ينتشر فى الأرض كما كان ينتشر من قبل انما هو اهله وبعبارة أوضح عدم تصور أهله له تصورا واضحا وعدم تمثيلهم له تمثيلا صحيحا. فقد أصبحت طائفة كبيرة منهم محطمة
سلبية جامدة قضى عليها الياس والتشاؤم والقنوط.
هؤلاء يعتقدون أن الاسلام لا يمكن أن تقوم له قائمة وأنه من المستحيل أن تنجح محاولة رد مجده الى الوجود وتمكينه في المنفوس من جديد فكان قصاراهم النياحة والبكاء ورثاء الماضي. مثلهم كمثل
-11 -
17.1