الإسلام والتطورات العالمية
الجزء ١ · صفحة ٣٨فالذي يكفر أخاه ويحقد عليه وينقم منه لمجرد اختلاف بينهما في قضية دينية مهما كانت تلك القضية مخطئ كل الخطأ مع قطع المنظر عن كونه معذورا فى ذلك الخطأ أو لا. فقد يعذر وقد لا يعذر. وقد تفطن لهذه الملاحظة المسلمون الاولون قبل أن يطرأ على الاسلام ما طرأ من الصدأ والرين. قال أبو الشعثاء جابر بن زيد المتابعي رحمه الله: (لا يحل للعالم أن يقول للجاهل أعلم مثل علمى والا قطعت عذرك ولا يحل للجاهل أن يقول للعالم أجهل مثل جهلى والا
قطعت عذرك)
فالكفر في نظر القرآن أمر ايجابي لا سلبي كما يتوهم الكثير فليس الكفر هو مجرد عدم العمل بالحق أو عدم الخضوع له بل هو انكار الحق أو المتهاون فى القيام به لغرض ما بعد قيام الحجة والاقتناع التام. فالذى لم تبلغه كلمة الإسلام أصلا أو بلغته في صورة مشوهة ولم تتوفر له الموسائل الاقناعية التي تجعله يميز بين الحق والباطل لا يعد مجرما فى حق الشارع ولا يستحق العقاب الابدي. (ان الله لا يظلم الناس شيئا) - (ان الله لا يظلم مثقال ذرة وأن تك حسنة يضاعفها (الى غير ذلك من الآيات الكثيرة. فتدبر قوله تعالى: (ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصاري والمصابين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند
ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون).
فالناس كما يقول الاستاذ محمد الغزالي على ثلاث طوائف: مؤمن، وكافر، وجاهل
وانما طرقنا هذا الشجن من الحديث لنبين مقدار تسامح العقيدة الاسلامية ومقدار مواكبتها للتطورات العالمية. وقد رأينا قبل أن نختم هذا البحث أن نستعرض صورة العقيدة نفسها من الوجهة الموضوعية على طريق الايجاز فنرى الى اى حد تبلغ واقعيتها وحقيقتها.
•
ان العقيدة الدينية عموما والاسلامية خصوصا ترتكز على ثلاثة أركان أساسية: الاعتراف بالالوهية والاعتراف بالرسالة والاعتراف باليوم الآخر والجزاء ونحن نقتصر هنا على شرح الركن الأول لانه هو الاصل للركنين الباقيين. لا شك أن الانسان لم يزل منذ وطئت قدماه هذه الارض ولن يزال الى أن يفنى آخر فرد منه حائرا مدهوشا تقلقه هذه الاسئلة:
ما هو هذا الكون؟ ومتى وجد؟ والى أين يذهب؟ وكيف يكون مصيره؟ وأخيرا من الذى أوجده؟. تلك أسئلة لا تفارقه ولا تتركه يهدأ لحظة عنها وينساها الا اذا طرأ على قلبه طارئ يشغله عنها. فمن الحسى البديهى اذن أنه لا بد لهذا الكون من موجد أوجده ومن المستحيل على الانسان أن يتصور خلاف ذلك فقد استقر ذلك في نفسه بطريق الشعور والوجدان بقى أن نعرف من هو هذا الموجد اذن. وهنا مفترق الطرق حيث تختلف البشرية الى مذاهب كثيرة لا حصر لها. تختلف بحسب اختلاف أوضاعها أو ثقافاتها والزمان والمكان المحيطين بها. ونحن نعرض صفحا عن ذكرها لان التعرض لها يخرجنا عن الخطة التي رسمناها
•
انما نتعرض لمذهبين أساسيين هما اللذان يسودان عالمنا في عصرنا هذا فالاول يرى أن المكون قديم لا بداية له ولا نهاية. وكل ما نرى فيه من النتائج المتسلسلة بعضها عن بعض انما تنتج بمقتضى تفاعل طبيعي وبطريقة ذاتية والثاني يرى أن هناك قوة خفية ذات علم وقدرة وارادة وتدبير. هي التي تؤثر فى كل ما كان وما يكون وتنسقه حسب خطة معينة
1101