الإسلام والتطورات العالمية
الجزء ١ · صفحة ٣٩وحجة الاولين سلبية مادية صرفة خالية من الدعائم المنطقية الواقعية. يقولون ان الاعتقاد بوجود قوة خفية مغايرة لهذا المكون متصرفة فيه عن قصد يحتاج الى برهان حسى. ونحن اذا لم نشاهد هذه القوة بحواسنا لا يمكن أن نؤمن بوجودها ونسي هؤلاء أن ذلك التفاعل الطبيعي الذي نشاهده أو نشاهد كيفيته لا نشاهد حصوله بطريقة ذاتية ولا يستطيع أحد أن يدعى أن له برهانا حسيا يثبت أن ذلك التفاعل يحصل بطريقة ذاتية
فاذا بذرنا في الارض حبة ورأيناها بعد أيام قد استحالت الى نبات أخضر الى عروق وجذور وأوراق فقصارى ما يمكن أن نشاهده في هذه العملية هو تكيفها واستحالتها وملاحظة أدوارها من امتصاصها لعناصر معينة وتحويلها. فمشاهدتنا لا تتعدى ملاحظة عمليات التركيب والتحليل المختلفة. أما أن نقطع أن تلك الاستحالة تحصل بطريقة ذاتية أو بواسطة قوة خارجية فهذا ما لم يبلغه علم المبشر بعد. فلماذا يدعى هؤلاء أن ذلك التفاعل حاصل بطريقة ذاتية على أن التجارب العلمية قد أثبتت أن مشاهدتنا الاشياء لا تعكس حقيقتها دائما بل كثيرا ما تكون حقائق الاشياء التي نشاهدها مخالفة تماما لمشاهدتنا لها لقد كان الناس يعتقدون أن الارض ثابتة والافلاك تدور من حولها بناء على مشاهداتهم واحساساتهم حتى اكتشفت البحوث العلمية بطريقة قطعية أن الارض تدور فى جملة الأفلاك الدائرة في الفضاء.
وكم كان من هذا المثال أضراب لا تعد ولا تحصى.
ان مشاهدة البشر واحساساتهم قصيرة ناقصة ضئيلة جدا الى حد أنها لا تكفى فى أن يكون الحق هو ما تثبته وتحس به لذلك تجد البشر مجتهدين دائما فى البحث والتنقيب متطلعين مستهلكين كل قواهم فى محاولة اكتشاف ما كان كامنا وراء مشاهداتهم واحساساتهم. ولا يكون فى أى حال من الاحوال عدم
•
مشاهدتنا لشيء دليلا على عدم وجوده. وقد قالت الفلاسفة: عدم المعلم ليس علما بالمعدم. وقد يكون مثلنا بالنسبة الى خالق هذا الكون مثل الانسان الذى يشاهد آلة من الآلات المكانيكية المعقدة الجبارة تعمل دون أن يشاهد مديرها. أفمن الملائق له أن يعتقد أنها تعمل بطريقة ذاتية. أرأيت لو أن رجلا شاهد لاول مرة في عمره آلة تحصد الحب وتدرسه وتعبئه وتضع التعبئة في مكانها بكل دقة دون أن يرى أو يشاهد مدير الآلة فخضع ذلك الآلة واعتقد قدرتها على الخلق والتصرف ورفع قيمتها فى نفسه أكثر مما يجب أفلا يكون هذا الرجل عندنا من الجهل وبلادة الحس والسقوط بحيث يرثى له. أفلا يكون مثارا لسخريتنا و استهزائنا؟ وماذا تكون مشاهدتنا واحساسنا معشر البشر بالنسبة الى هذا المكون الهائل الذى لا نهاية له وبالنسبة الى ادارته ومديره الذي يستحيل على عقولنا المحدودة القصيرة أن تدركه أو تطمح في ادراكه ما دامت عاجزة على ادراك أقل قليل من هذه المادة التي هي جزء صغير جدا من هذه المعوالم التي لا حصر لها ومدار الخلاف كله بيننا وبين الطبيعيين يرتكز على هذه النقطة على الاجابة عن هذا السؤال: ما الذى جعل العناصر المادية تتحول وتتفاعل باستمرار
؟
فان قالوا هو شيء مجهول عنا وسر من الاسرار اتفقنا. فان هذا الشيء المجهول هو الذى نعبده ونسميه (الله) لانه ان كان مجهولا بعينه فهو معروف بآثاره. وان قالوا أن تلك العناصر تتفاعل بنفسها وبطبيعتها بمعنى أنها واجبة الموجود اضطرارية التفاعل قلنا ان المادة على اختلاف أشكالها وأنواعها الغير المتناهية ترجع فى أصولها الى عناصر محدودة. فهل نجد برهانا قطعيا على أن تلك العناصر قديمة منذ الازل تتفاعل نفس التفاعل الذي نشاهده أو هي متولدة من عناصر أخرى قديمة واجبة الوجود. ما هو
- VV-
1171