الإسلام والتطورات العالمية
الجزء ١ · صفحة ٥٠وأن الاشتراكية تنافى الاسلام لأنها تفقير لمن كتب الله له الغنى وأن استعمال البنوك مناف للاسلام بدعوى أنه من المربى وأن الحكم بالقوانين المدنية مناف للاسلام لانها مستمدة من غير الاسلام وبعبارة أخصر أن الاسلام مناقض تماما لوسائل الحياة الحاضرة ونظمها كلها بمعنى أن الإسلام أصبح غير ملائم للحياة العصرية. وفي هذه النقطة يلتقى المحافظون السلبيون من المسلمين بأعداء الاسلام من الملاحدة المركزين جهودهم وامكانياتهم الفكرية في محاربة هذا الدين وهدمه
ولما كانت قضية استخدام البنوك والحكم بالقوانين المدنية من أهم المشاكل التي تشغل فكر الجماهير الاسلامية وتقاق بالها وتبعدها على الاعتقاد بأن الاسلام عائق كبير عن التطور الاجتماعي رأينا أن نستعرض نظرنا فيهما بايجاز مستمدين من الله التوفيق والسداد وبديهي أن المربى محرم فى دين الاسلام بنصوص قطعية لا يتطرق اليها الشك لكن قضيتنا تنحصر في الأسئلة التالية: هل النظام المصرفي الذي تتبعه الحضارة الحديثة هو عين النظام الذي كان مفهوما ومتبعا عند العرب يوم نزول القرآن ومعنيا أصالة بالآية الكريمة التي نزلت في تحريم الربى 000؟ أم هي مندرج فيه وصورة من الصور التي يحتملها مفهوم العرب ومفهوم النص القرآني في الربى .. ؟ أم المفهومان لكلمة الربي والنظامان المتبعان
القديم والحديث متغايران لا صلة لاحدهما بالآخر .. ؟ فالفرض الاول يقتضى تحريم الصورتين معا والفرض الثاني يقتضى أن تكون الصورة الجارية فى نظام حضارتنا الحديثة يحتمل أن يشملها التحريم ويحتمل أن لا يشملها فتبقى على اباحتها الأصلية والفرض الثالث يقتضى عدم تحريم المصورة الجارية للنظام المصرفي الحاضر مطلقا. ونحن اذا استندنا الى ما رواه المؤرخون والمفسرون كابن جرير الطبرى عن مفهوم المربى عند العرب يومئذ والمنظام
المتبع بينهم نجد الفرق كبيرا بين ذلك وبين صورة نظام المصارف الجارى به العمل فى عهدنا هذا. ففى النظام المالى عند العرب في المعهد القديم كان المدين يقترض المال من الدائن على أن يرد عند الأجل المضروب مثل ما أخذ بدون زيادة ولا نقصان لكن اذا حل الأجل وعجز المدين عن قضاء الدين وذهب ليعتذر عند الدائن قال له المدائن اذاك مستغلا لعجزه:
اما أن تقضى واما أن تربى ((هذا ما يفهم من مجمل الروايات التي روتها أمهات كتب التفسير والنظام المصرفي الحديث بعيد عن استعمال مثل هذه الصورة لكن حيث أن هذا النظام الحاضر يحتمل أن يكون مندرجا في مفهوم آية المربى وصورة من صور المربى المعنى بالتحريم فالحكم بتحريمه يكون ظنيا ومحتملا. وما كان من قبيل ذلك فلا يجوز تفسيق المخالف فيه. والمربى انما حرم لأن فيه استغلال الأقوياء لأزمات الضعفاء ولان فيه تحويل المذهب عن مجراه الطبيعي. فان المرابي يجعله غاية لذاته وأداة للربح المباشر على حين أنه وضع ليكون وسيلة للتعمال بين الناس وجعله غاية لذاته يقلل من وسيليته ويؤدى الى الفائها تدريجيا وذلك يؤدى الى اختلال التوازن الاقتصادي والاجتماعي وحيث أن هذه العلة موجودة في النظام المصرفي الحاضر كان احتمال اندراج هذه الصورة في مفهوم آية الربي قويا غير أن المنظام الجارى به العمل الآن كان أقل خطرا وأحكم قاعدة وأدنى الى مراعاة مصلحة الفقير. فلهذا الفرق يسوغ أن نقول بأن تجنبه كان أحوط وأبعد عن المريبة وقبوله واتباعه لا يبلغ بصاحبه أن يكون مشهرا عليه الحرب من الله ورسوله ومتوعدا بالخلود في النار.
ولنا أن ننظر الى القضية من وجه آخر ذلك أن أيمة المسلمين اتفقوا على أن الضرورات تبيح المحضورات وحيث أن النظام
-99 -
-
-94 -