الإسلام والتطورات العالمية يحيى بن سليمان حوّاش

الإسلام والتطورات العالمية

الجزء ١ · صفحة ٥١

منها.

العالمي المال والاقتصاد قد انفلت من أيدى المسلمين ولم يكونوا من القوة بحيث يستطيعون أن يختطوا نظاما خاصا مستقلا بنفسه أو يستغنوا عن ذاك النظام المجارى فمن الجائز لهم شرعا أن يخضعوا الحكم الضرورة ما لم يجدوا مخرجا عنها. هذا اذا تقرر عند الأمة الاسلامية أن استخدام المصارف قد أصبح ضرورة اجتماعية لا مناص فان الاسلام أعلى وأرفع من أن يرغم أهله على الاستسلام للجوع والعبودية والفناء تحت الضربات الاقتصادية للعدو بل محاربة هذه الأمور من الأغراض الاساسية للاسلام. واذا ابيح شرعا للمسلم ان يأكل الميتة والدم عندما يضطر لانقاذ روحه أفلا يجوز أو يجب على الامة الاسلامية أن تنقذ نفسها من الخطر الذى تراه يقترب من ابتلاعها (1)؟

ما أبعد عن الاسلام من يدعى أن الاسلام فيه ما يعوق أهله عن مسايرة ركب الحياة ويدفعهم الى الوراء. وأما الحكم بالقوانين الوضعية فهى نتيجة طبيعية لما كان عليه العالم الاسلامى من التخلف الثقافي ومن تأثره بثقافة المستعمر وتوجيهه وتقييده بالقيود الاستعمارية الثقيلة مدة طويلة من الزمن. وليس من الممكن لامة من الأمم أن تتحرر سياسيا واقتصاديا وثقافيا في ظرف سنة واحدة أو جيل واحد وطبيعى أن التحرر السياسي سيكون من أنجع الوسائل وأهمها للتحرر الاقتصادى والثقافى. وأمة تستمد ثقافتها وخبرتها الاقتصادية من دولة أجنبية لم يتم استقلالها بعد لان الاستقلال السياسي انما هو مرحلة من مراحل الاستقلال التام

(1) نقول هنا بقطع النظر عن ثبوت الحجية بالاجماع والقياس أو عن عدم ثبوتها لأن من أثبت الحجية بهما مستند قطعا في اثباتها الى الأصلين المذكورين

هذا مع العلم بأن القوانين المدنية الحديثة لا تختلف في معظمها عما تحتوى عليه الشريعة الاسلامية من التشريعات. وقليل تلك المواد التى نجد تناقضا وتنافرا بينها وبين نصوص الشريعة وروحها لان تلك القوانين متأثرة الى حد كبير بالتشريعات السماوية الثلاث ولأن المفرض الأساسى من التشريع كله يرمى الى هدف واحد وهو رعاية المصلحة ودفع المضرة. والى أن تستعيد الثقافة الاسلامية قوتها وسلطانها يجب علينا المحافظة على البذور الدينية الحية التى تحتوى عليها جماهير شعوبنا حتى اذا سنحت لتلك البذور الفرصة أورقت ونمت واستوت على سوقها

وبشائر سنوح هذه الفرصة قد أخذت تلوح في الافق بحمد الله من الآن. فقد أخذ تأثرنا بالثقافة الاجنبية وتقديسنا لها يخف تدريجيا كما أخذت الهيات الدينية من جهتها تخرج من اجحار سلبيتها وجمودها وبدأت تحتك وتتصل بواقع الحياة. ونتيجة لذلك كله أخذنا نشاهد نشوء الجامعات الاسلامية هنا وهناك ونشاهد تطورا عميقا فى مناهج المعاهد الدينية وتسيير برامجها

-11 -

-1.-