الإسلام والتطورات العالمية
الجزء ١ · صفحة ٥٢الفصل الثامن
الاسلام والتطورات العالمية من الوجهة العلمية
لا أتحدث في هذا الفصل عن ما قدمته الحضارة الاسلامية للإشر من اكتشافات باهرة وعن مقدار دفعها للعالم الى الامام مسافات شاسعة في جميع الميادين العلمية فقد أسست بتجاربها المثمرة قواعد وأصولا ثابتة في علم المطب والهندسة والكمياء والجبر والموسيقى وفى علم البصريات والفلسفة وغير ذلك
ولا أتحدث عن ما نقلته الينا تلك الحضارة من علوم القدماء وحضاراتهم فترجمته وحافظت عليه وأهدته لنا محفوظا من الضياع. انما أتحدث عن نقطتين هامتين في نظري:
أولا - العلاقة الرابطة بين الاسلام النقي الخالي من كل ما رأن عليه من رواسب الافكار البشرية التقليدية المستمدة من ظروف الزمان والمكان وبين القواعد العلمية الحديثة التي قلبت المشاعر والاحساسات قلبا جذريا وقلبت الأوضاع الاجتماعية كلها رأسا على
عقب
ثانيا - العلاقة الرابطة بين هذه القواعد العلمية وبين ما جاء به الاسلام من المزامنا أن نؤمن بالغيبيات التى لا نستطيع أن ندركها ولا يمكن أن تدخل في اطار مشاهداتنا وقبل أن نفصل المقول بعض التفصيل يجب أن ننبه على أن كل ما سنورده فى هذا الباب يرتكز على قاعدة أساسية وهي أنه ليس
كل ما نسب الى الله ورسوله فقد قاله الله ورسوله حقا. كما أنه ليس كل ما قاله ونشره عالم من علماء الطبيعة أو الفلك أو الفلسفة مثلا نستطيع أن نطبق عليه كلمة العلم
•
فالنصوص التي تنسب الى الشريعة لا نستطيع أن نطبق عليها كلمة الشرع ونتخذها جزءا من ديننا الا اذا ثبتت بطريقة قطعية المتن قطعية الدلالة. بمعنى أنها لا تقبل المشك ولا تحتمل المتأويل (1) والمنظريات والفروض التي يتوصل اليها العلماء بطريقة ظاية لا يمكن أن نسميها علما ما لم تكن حقائق ثابتة بطريقة قطعية لا تقبل النقض مهما تطاولت الدهور وارتقت العقول
ومن أجل عدم مراعاة هذه القاعدة المذكورة يستفحل الخطا ويعتقد الكثيرون أن هناك تناقضا فاحشا بين العلم والدين وتقع أجيال كاملة في ظلال بعيد ومن هنا يقع التنافر الشديد بين المنتسبين للعلم وبين المنتسبين للأديان السماوية. وتتمكن العقد التفسية في كل من الفريقين ازاء الآخر خصوصا وأن أكثر المتدينين ينقصهم الفهم الحقيقى والتصور الصحيح لتلك الاديان التي يعتنقونها لان اعتناقهم لها غالبا ما ينشأ عن التقليد لا عن الاقتناع الصحيح كما أن أكثر المنتسبين للعلوم المادية كثيرا ما تنقصهم الدقة والتحديد بين ما كان نظرية من النظريات التي لا تزال غير مستقرة ولا تزال قابلة للنقض والتعديل وبين ما كان حقيقة علمية لا يمكن أن يطرأ عليها نقض أو تعديل مادامت الارض والسموات وما أقل هذه الحقائق وما أعزها *
(1) وبديهي أننا ملزمون شرعيا بالعمل بالنصوص الشرعية الظنية والتى لم تبلغ درجة القطع الا ان ذلك انما يكون في الميدان العملي، لا في الميدان العلمى والعقائدي
- 1.5 -