الإسلام والتطورات العالمية يحيى بن سليمان حوّاش

الإسلام والتطورات العالمية

الجزء ١ · صفحة ٥٨

محسوسة تقريبا للأذهان وتحريكا لطبيعة البشر المادية. خصوصا

الارض وسكان السموات. وقال في آية أخرى وسخر لكم ما في السموات وما فى الارض جميعا منه). فمن علينا بتسخير ماتحتوى طبيعة تلك الأمة العربية التي يراد لها أن تحرك العالم وتؤثر فيه عليه أعماق السموات كتسخيره لما تحتوى عليه أعماق الأرض لنا وتيقظه من جـ ديد الى غير ذلك من الايات الكثيرة. ونحن لانتسرع في تفسير القرآن وتأويله بما لم نحط به علما. والى أن يكتشف الانسان ما يوضح

انظر كيف يصف القرآن الجنة للأمة العربية خاصة والبشر عامة

معاني تلك الايات وأضرابها بعقله الجبار وتجاربه المتوالية يجب أن فيقول: (فيها عين جارية فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة

نتوقف فى تفسيرها ونعدها من المتشابهات

أما ما يتحدث به القرآن من الأمور المغيبية الخارجة عن نطاق تصوراتنا فلنا أن نسلك ازاء ذلك احدى طريقتين. اما أن نتوقف ونسلم ونقول آمنا به كل من عند ربنا دون أن نحاول ونتطلع الى فهم شيء مما تحتوى عليه تلك العبارات الواردة واما أن نفهمها ونأخذ بها على أنها تمثيلية لا غير بمعنى ان بعض الحقائق العليا التي لا يمكن للعقل البشرى المحدود أن يتصورها، هذه الحقائق يقربها القرآن لاذهاننا ويشخصها لنا بأسلوبه المعروف في صور حسية تناسب احساساتنا البشرية وطبيعتنا المادية

ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة). ويقول في آية أخرى (فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة المشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات) ويقول) وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وفرش مرفوعة) ويقول في معرض ذكر الشقاء الذى أعد للكافرين (خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه انه كان لا يومن بالله العظيم). ويقول: (انطلقوا الى ما كنتم به تكذبون انطلقوا الى ظل ذى ثلاث شعب لا ظليل ولا يفنى من اللهب انها ترمى بشرر كالقصر كانه جمالات

ومن هذا النوع ما وصف الله به الدار الاخرة من الصفات المادية صفر ويل يومئذ للمكذبين). الحسية التى لا يمكن للانسان من حيث أنه انسان أن يتصور السعادة المثالية والشقاء المثالى الا فيها. ولو لم تصور له الحياة

والتأمل في هذه الآيات وأضرابها يوحى بأن الغرض من تصويرها

للسعادة والشقاء اللذين أعدا للفريقين فى هذه الصورة الحسية الآخرة فى المقالب المطابق لمزاجه النفسى وطبيعته المادية لاستحال أن المألوفة في حياتنا هذه انما هو ايقاظ المشاعر وتحريكها

يحصل الفرض المطلوب من تربيته واعداده لتلقى الكمالات العليا

وقرعها وتوجيهها للصراط المستقيم. وليس معنى ما قلناه التشكيك والا فان نمط الحياة الثانية ليس من نوع هذه الحياة الدنيا وليس في صدق القرآن أو فى وجود الجزاء كلا بل معناه السمو بفهم معانيه من الممكن أن تدرك عقولنا المادية ذلك النوع الغير المادى. فمن وأغراضه وتقديره حق قدره. (1) اللائق بمقام الشريعة الاسلامية الاعلى ومن تقدير القرآن العظيم

حق قدره والسمو فى تفهمه وادراك مغازيه أن نعتبر أن تلك التفاصيل المادية التي أوردها فيما يتعلق بوصف الدار الاخرة انما هي من باب تمثيل وتشخيص ما لا يمكن أن يتصوره الحس في قوالب

(1) وهذا الاختيار الذى شرحناه لا ينفى امكانية ثبوت الجزاء المادي الحسي الذي يفهم من ظاهر تعابير القرآن والحديث

-

110 -

—

114

-