الإسلام والتطورات العالمية
الجزء ١ · صفحة ٦فانشرع بعون الله في تجديد بناء تلك الحضارة العظيمة الممتدة من المحيط الى الخليج الضاربة عروقها في أعماق التاريخ وما قبل التاريخ من عهد الفينيقيين وقدماء المصريين والبابليين والاشوريين وأوائل القحطانيين من عهد عاد وثمود. تلك الحضارة الباسقة فروعها المخترقة عنان السماء التى لها من الخصائص والمقومات ما يضمن لها الخلود ويمكنها من أن تحط رحالها يوما ما في القمر أو المريخ أو في الشعرى اذا وجدت من يؤمن بها ويقدرها حق
قدرها. وان هذه النهضة المباركة لتحرك فينا آمالا بعيدة المدى واذا رأيت من الهلال نموه ايقنت أن سيصير بدرا كاملا * ونحن كمثقفين بالثقافة العربية التي نعتز بها ونؤمن بحيويتها وبأنها سوف تبلغ بنا سدرة المنتهى، واجبنا الوطنى الأول هو أن نكشف عن أساس تلك الحضارة العربية الخالدة ومتانتها ومدى صلاحيتها للبقاء والى أى حد يستحيل أن ننفصل عنها وان نستبدل غيرها بها
ونحن المكافحين لا نطمئن الى ان الاستعمار قد خرج من بلادنا
حقا حتى نطمئن الى أنه خرج تماما من فكر كل عربي وكل عربية وكيف يطمئن شعب على مصيره والامراض الاجتماعية تنخر أعضاء من كيانه. فالتعود على البطالة وتقليد الاجنبي تقليدا أعمى والمتصلب فى المرأى والانحلال الخلقى والتذبذب في العقيدة وغير ذلك من عوامل الضعف هى التى تمهد وتهييء الجو للاجنبى أن يمد يده الى شعب هذه صفاته هادئا مبتسما ليستغل ما شاء وكيف شاء. فلا نأمن من المستعمر أن يعود مرة أخرى ما لم نقض على تلك العوامل المذكورة وما لم نجتث عروقها من أصلها
ولقد أثبت المنطق والتجربة أنه لا يمكن أن تنهض حضارة ما على قدميها الا اذا غذيت بغذائين اثنين: غذاء مادى وغذاء روحي أما الناحية المادية فلا نتعرض لذكرها. فلندع الخوض في
ميادينها للاقتصاديين ورجال الاعمال. وأما الناحية الروحية فهى التي سنحاول أن نشرحها ونحال عناصرها وسنقيم الدليل على انه اذا توجهنا بكليتنا الى الجانب المادى وحده وأوليناه عنايتنا كلها وانصرفنا عن الجانب المروحى وأغفلناه ولم نقم له وزنا فان كل ما بذلناه فى الماضى وما نبذله من جهد وعناء سيضيع ويستحيل هباء. الماضى وما ـ
ان الطائر لا يطير الا بجناحين وأن الولد لا ينتج الا عن أبوين وان المثمرة لا يتم لقاحها الا عن اتصال النوعين ذلك قانون الطبيعة الذى لا يتخلف وتلك سنة الله. ولن تجد السنة الله تبديلا. (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) فمن المستحيل اذن أن تقوم حضارة ما الا على أساسين اثنين. على فلسفة مادية متكاملة المعناصر والمقومات وعلى فلسفة روحية متكاملة العناصر والمقومات مع توازن تام بينهما.
والمعالم في عصرنا هذا وقد بلغ من النضوج المفكرى حد الاعجاز وبلغ من المقدرة على الاكتشافات العلمية حد الافراط ما له مختل المتوازن؟ وما له يتخبط خبط عشواء في غمرة المعمه والحيرة مضطرب السلوك شقى الضمير قلق على نفسه وعلى مصيره. يعيش على أعصابه ويتقدم الى الامام ولكن على شفا جرف هار.
وما لانسان القرن العشرين قد اكتشف كل ما يريد اكتشافه الا طريق السعادة والاستقرار .. ؟ ولقد حط رحله في المريخ وفي المزهرة لكنه لم يستطع أن يكتشف ما فيه الاطمئنان على نفسه وعلى مصيره بل يعيش خائفا يترقب وعلى رأسه ذلك الجبل العظيم من القنابل الذرية والمهدر وجنية. أحد طرفيه فى واشنطون والآخر في موسكو. فهذا الانسان اذن لا يزال بعيدا عن أن يستعذب ويستسيغ ما اثمرته جهوده الجبارة التي وجهها كلها عن جهل وخطا الى ترقبة الوسائل المادية على حساب اهماله وتنقيصه من قيمة الجانب
-11 -
-1.1