الإسلام والتطورات العالمية يحيى بن سليمان حوّاش

الإسلام والتطورات العالمية

الجزء ١ · صفحة ٧

الروحى والقيم العليا. فتغلب أحد هذين الجانبين على حسب الآخر يؤدي حتما الى اختلال المتوازن فالانهيار فالخراب

وأوروبا ما لها قد بلغت من المادية الحد الاقصى نرى نجمها يأخذ في الأفول وحظها فى طريق الذبول .. ؟

وافريقيا وآسيا ما لنا نراهما وقد بلغتا من المادية الحد الادنى يتجه نجمهما صاعدا ليشرق من جديد ..

2.

وصاحبتنا فرنسا هل أغنى عنها ما عبات من طاقاتها المادية ووسائلها الفنية وقسوتها الغير المحدودة واستنجادها باحلافها القوية ضد شعبنا الضعيف الجاهل الفقير المتخلف. هل أغنى ذلك كله عنها شيئا لما ضعفت القيم الروحية العليا في أفراد جماهير شعبها؟ كلا. ما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء اذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون).

ونحن العرب المخلصين (وقد أصبحنا على أبواب عهد جديد يجب علينا أن نستفيد من أخطائنا فى الماضى ونستفيد ايضا من أخطاء غيرنا. فيتحتم علينا اذن أن نحاول بكل ما لنا من جهد وطاقة أن نبني حضارتنا الجديدة على نمط جديد خاص بنا مستقل عن غيرنا ومستمد من أعماق ماضينا وصميم واقعنا ومستقبل امكانياتنا

ولا يتأتى لنا ذلك الا اذا كان لنا استقلال فكرى حقيقى واستطعنا أن نحرر أنفسنا من قيود هذه المدنية الناجرة التي غذى الكثير منا بالبانها المسمومة فامتزجت بكيانهم وتلقوا مبادئها على أساس الالف والمعادة وعلى أساس التقليد المطلق. حتى أن كثيرا منا لا يستطيع أن يتصور فكرة امكانية وجود حضارة افضل منها. فاذا استطعنا أن نعيد النظر فيها ونتبين أن هذه المدنية ليست هي كل الخير وان في أمكان المبشر أن يخطط لنفسه حضارة أخرى جديدة افضل منها

ووسائل جديدة للسعادة والهناء. واذا استطعنا أن ننقدها نقدا بريئا على أساس المنطق السليم والتجربة الصحيحة والتجرد من قيود الالف والعادة والمتأثر الخالص بها. اذا استطعنا أن نبلغ هذه الدرجة من التحرر والانطلاق والثقة بالنفس أمكن أن نبنى ونشيد للاجيال المقبلة حضارة كاملة الخصائص والمقومات عميقة الجذور باسقة الفروع طويلة العمر قريبة من السعادة التي ينشدها

•

کل انسان في هذا المعالم دون أن يكتشف طريقها والطريق الى ذلك سهل وواضح وهو أن ننتقى من مدنيتنا الحاضرة كل العناصر الصالحة للبقاء. ونضيف اليها عناصر جديدة تتفق ومزاجنا العقلى وتتناسب ومقتضيات حياتنا وكياننا النفسي الذي كونته الدهور الغابرة والمقرون الماضية حتى آل الى ما آل اليه في العصر الحاضر ونبعد عنها كل المعناصر الفاسدة التي تحمل في طياتها بذور المتآكل والتخلخل والانحلال فحينئذ فقط نستطيع أن نفخر ونقول للعالم أننا مستقلون وحينئذ فقط نستطيع أن نقدم للعالم أكثر مما ناخذ منه ونصدر اليه أكثر مما نستورد ونؤثر فيه أكثر مما نتاثر به وان مما يبعث الأمل في نفوسنا ويبشر بمستقبل زاهر لهذه النهضة العربية الفكرية المباركة أن اخذ بعض زعماء العرب يبذلون محاولات موفقة فى هذا الميدان وبدأوا يضعون الخطط لأرساء قواعد جديدة في الميدان المفكرى والمعقائدى. لا شرقية ولا غربية بل هي منبثقة من روح المجتمع العربى وتراثه القديم كما يتضح ذلك جليا من تصريحات بعض القادة المخلصين غير أن جماهير شعوبنا لاتزال ترصف في قيود الاستعمار المفكري واخص بالذكر منهم المثقفين. وهذا الموضع الذي نحن فيه نتيجة طبيعية عن تخلف أجيالنا التي سبقت فترة الاستعمار السياسي والتي عاصرتها. فنحن والحال على ما ذكرنا مضطرون الى ان نستورد كل حاجياتنا الثقافية من المغرب أو من الشرق. ولا يمكن

- 12 -