النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في إفريقية في مرحلة الكتمان عوض محمد خليفات [دارس عن الإباضية]

النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ١٣

درجة من العلم مرموقة، واعترف لهما كثير من مشايخ الاباضية في مختلف مناطق الاباضية في شمال افريقية، واكتسبا شهرة واسعة. وما لبثا ان كونا حلقة سرية للتدريس وتعليم المذهب الاباضي أمها الطلبة من مختلف الجهات وتوافد عليها الراغبون في الاستزادة من المعرفة والعلوم الاباضية. وكان الطلبة والحاضرون يتعلمون القرآن وعلم الحديث والأصول والفقه وعلوم اللغة العربية، والسيرة النبوية الشريفة وأخبار الأولين من أسلافهم الاباضيين. وفي هذه المرحلة أخذت بعض الملامح المميزة لنظام الحلقة تتضح وتأخذ طريقها الى البروز بحيث أصبحت قواعد ثابتة. فقد وضع أبو القاسم، الذي كان يفضل زميله في عمق المعرفة، والذي أصبح تبعا لذلك - شيخ الحلقة الأكبر - نظاما خاصا لطلبته ألزمهم فيه بالحضور الى الدرس في أوقات محددة معينة، وبتناول الطعام بشكل جماعي في وقت محدد أيضا. وكان يتولى الصرف عليهم من ثروته الخاصة التي كانت، كما يبدو، كبيرة. ومنع أبو القاسم على طلبته الزواج وكان يقول: «لأن يبلغني موت أحدكم أهون علي من أن يبلغني أنه تزوج (25). والغريب في الأمر أن ابا القاسم نفسه كان متزوجا. وعندما سئل عن سبب وضع هذه القاعدة بررها برغبته في انقطاع تلاميذه للتحصيل والمعرفة والمحافظة على المذهب الاباضي ونشره وتمكينه من نفوس اتباعه وزعم ابو القاسم ان الله لا يعاقب الشخص الذي يشرّع مثل هذا الأمر على الرغم من مخالفته لتعاليم الاسلام. مدعيا أن الله لا يعذب الا على الجهل [ربما يقصد المذهب

بالصلاة فرادى حتى لا يفاجأوا بعدو يقتلهم جميعا (27). ويبدو أن هذا التقليد الأخير قد اتبع في أوقات الخطر فقط. ولذا لم يتقيد به من جاء بعده من منظمي حلقة العزابة الاباضية. ومما فعله أبو القاسم وأصبح سنة متبعة من قبل العزابة فيما بعد، تنقله طلبته الى البادية في أوقات معينة من السنة وخاصة في فصل الربيع ليروحوا عن أنفسهم وليعلموا أهل البادية» ما جهلوا من فهم أمور دينهم، ويذكرونهم ما نسوا، ويتفقدون أحوالهم لئلا يغيروا مذهبهم الاباضي فيضلوا (28)

«

مما سبق يتبين لنا ان أبا القاسم وضع أسسا وقواعد جديدة أصبحت سنة متبعة من قبل مشايخ الاباضية المتأخرين وخاصة رجال العزابة وتلاميذهم. وساهم أبو القاسم مساهمة فعالة ومؤثرة في لم شعت الجماعات الاباضية وتشجيعها على التمسك بمذهبها وتراثها. وكان لعمله صدى عميق في مختلف الأوساط الاباضية في بلاد المغرب، فاتبع بعض مشايخهم نهجة وساروا على طريقه ويبدو

أن نشاط أبي القاسم وقوة تأثيره قد وصل الى أسماع الفاطميين فخشوا نتيجته، وأمر الخليفة المعز بقتله، كما سجن تلميذه وزميله أبا محمد ويسلان بن يعقوب المزاتي (29)

صعق الاباضية لمقتل شيخهم ابي القاسم وقرروا الثورة ضد الفاطميين بزعامة أبي الاباضي]. وفي هذا الصدد كان يردد العبارة التالية: «لو علمت مكان مسألة أستفيدها خزر، رفيق أبي القاسم، وأبي نوح سعيد بن زنغيل. وكاتبوا بني أمية في الاندلس ممن فاتني بها، لشددت اليها رحلي في مشرق أو مغرب، ولا أخشى أن يعذبني الله الا على لمساعدتهم. فسمع بهم المعز ووجه لهم العساكر لمحاربتهم والقضاء عليهم. وتمكن الجهل) (26). وعلى أي حال فان سنة أبي القاسم هذه قد سار عليها فيما بعد مؤسس نظام الجيش الفاطمي من هزيمة الاباضية في معركة باغاي عام 358 هـ (30). وهرب أبو خزر العزابة الحقيقي الشيخ أبو عبد الله محمد بن بكر. ومن الأمور الأخرى التي ابتدعها أبو وأبو نوح، ثم أمنهما المعز، وارتحل أبو خزر معه الى القاهرة. بينما بقي أبو نوح في القيروان

القاسم نوم الهاجرة، أي اجبار اهل الحلقة بالنوم وقت الضحى. كما كان ينصح تلاميذه

(25) الدرجيني، ج 1، ص 120 (26) المصدر نفسه

ثم رحل الى وارجلان حيث أقام حلقة للدرس هناك على شاكلة حلقة أبي القاسم السالف

(27) الدرجيني، ج 1، ص 121

(28) المصدر نفسه

) 29) المصدر نفسه، ص 125 - 126.

(30) عن معركة باغاي بين الاباضيين والفاطميين أنظر: الدرجيني، ج 1، ص 128

- 22 -

-