النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٤٨الفاطميين جنوبا الى وارجلان وخاطب اصحابه قائلا: «انكم لا يجتمع منكم ثلاثة نفر الا كان عليهم الطلب، افترقوا فقد انقطعت أيامكم وزال ملككم (149). وعندما عرض عليه أهل وارجلان ان يبايعوه بالامامة، رفض ذلك وقال: «لا يستتر الجمل بالغنم (150). وفي ذلك تعبير واضح عن رأى زعماء الاباضية آنذاك في عدم قدرة أتباعهم على الوقوف في وجه أعدائهم.
على الرغم من الهزائم التي مني بها الاباضيون، وعلى الرغم من التشاؤم الذي ساد الأوساط الاباضية، فقد صمم علماؤهم وأهل الرأى فيهم على انتهاج أسلوب يحفظ لهم مذهبهم ويكرس وحدة جماعتهم في الأماكن التي التجأوا اليها بعد انهيار دولتهم الرستمية. ووجدوا أن أفضل الطرق لبلوغ هذا الهدف هو العودة الى طور الكتمان والدعوة سرا لمذهبهم على منوال أئمتهم الأوائل في البصرة وشمال افريقية خلال القرنين الأول والثاني الهجريين. الا أن الاباضية الآن موزعون في مناطق مختلفة متباعدة تفصل بينهم قوى معادية لهم. وبالتالي صعب عليهم تعيين شخص واحد منهم ليكون امام كتمان يدبر امرهم وينقذهم مما هم فيه من محنة وفرقة وشدة. فأخذ علماؤهم يتبادلون الزيارات ويرتحلون من مكان لآخر للتشاور في وسيلة تحفظ لهم دعوتهم من الاندثار. وأخذوا يرتبون المجالس السرية والحلقات ويضعون لها بعض التقاليد والأنظمة حتى توصلوا في بداية القرن الخامس الهجري الى الاهتداء الى ما عرف في التاريخ الاباضي المغربي باسم سير الحلقة ونظام العزابة. ويعود الفضل في وضع هذا النظام الى الشيخ ابي عبد الله محمد بن بكر الذي رتب حلقته في غار سري عام 409 هـ. وأصبح نظام حلقته القدوة والمثل عند الاباضية في جميع مناطقهم في بلاد المغرب. ولا يزال مع شيء من التطوير ـ على أيدي من علماء الاباضية - معمولا به في منطقة مزاب في جنوب الجزائر. أما في المناطق الاباضية الأخرى مثل جبل نفوسة وجزيرة جربة وبلاد الجريد فقد اندثر فيها هذا النظام منذ فترة ليست قصيرة، حتى أن بعض علماء الاباضية المعاصرة في جبل نفوسة يعزو
خلفه
من
(149) الدرجيني، ج 1، ص 105 صه (150) المصدر نفسه
انحلال عقد الاباضية في بلاده لعدم تمسك اصحاب مذهبة بنظام العزابة وتقاليدها (151)
وعلى أي حال فقد أسهبنا - بالقدر الذي سمحت لنا به المصادر ـ في الحديث عن نظام العزابة والهيئات التابعة له. ورأينا دور مجالس العزابة في خدمة الجماعة الاباضية في بعض مناطق شمال افريقية وخاصة منطقة ميزاب. ولا شك في ان هذه المجالس مسؤولة حفظ المذهب الاباضي وتعاليمه في المدن الميزابية الى يومنا هذا. وكان لرجال العزابة عن دور كبير في تاريخ الحركة الاباضية السري لا يقابله في الأهمية الا تلك الجهود التي بذلها أئمة الاباضية الاوائل في البصرة من خلال مجالسهم ومدارسهم السرية. وحتى يتبين القارئ أهمية هذا النظام في تاريخ الدعوة الاباضية في شمال افريقية بشكل خاص وفي التاريخ الاسلامي بشكل عام فسوف نحاول تقويمه من وجهة نظر محايدة موضحين ايجابياته وسلبياته كما تراءت لنا من خلال استقرائنا لمختلف أوجه هذا النظام ومن خلال القراءة المتفحصة للمصادر التي تكلمت عنه
أما ايجابياته فيمكن ان نحددها بالنقاط التالية: -
1 - بالنسبة للأباضية فقد حفظ هذا النظام وحدة الجماعة الاباضية في المناطق المأهولة بأتباع هذا المذهب وخاصة في مدن وادي ميزاب (152)
2 - ساهم هذا النظام في نشر اللغة العربية بين بعض القبائل البربرية مثل بني مصعب في جنوب الجزائر. وكان علماء الاباضية أنفسهم يرتحلون الى الحواضر العريقة لتعلم فنون اللغة العربية واتقانها كما فعل أبو عبد الله محمد بن بكر، مؤسس الحلقة، وكما فعل غيره كثير من مشايخ الاباضية مثل أبي عمار عبد الكافي الذي عاش في القرن السادس الهجري والذي كان له الفضل في تطوير بعض قواعد وتقاليد نظام الحلقة
(151) علي يحيى معمر، الاباضية في موكب التاريخ، ج 1، ص 110 يقول علي معمر؛ وقد ارتفع حكم العزابة من مواطن الاباضية في ليبيا وتونس في القرن الأخير، ومنذ ارتفع نظام العزابة في هذه المواطن تسرب الفساد الى المجتمع». (152) المصدر نفسه، ج 1، ص 110، محمد علي دبوز، نهضة، ج 1، ص 192 وما بعدها
- 91 -