النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في إفريقية في مرحلة الكتمان عوض محمد خليفات [دارس عن الإباضية]

النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٩

(2)

نشوب حرب اهلية بين المسلمين ذهب ضحيتها آلاف المسلمين. وبرزت على أثرها الأحزاب والفرق الاسلامية. ومن بينها فرقة المحكمة التي عارضت اتفاق التحكيم بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن ابي سفيان. ونادت بانتخابات خليفة للمسلمين عن طريق الشورى دون اعتبار للنسب القبلي (2). وعلى الرغم من المحاولات المتكررة التي بذلها الخليفة علي بن أبي طالب لاعادة استمالة هذه الفئة الى جانبه، فان فريقا منهم أصرّ على موقفه، ومضى في تنفيذ هدفه، وانتخب واحدا منهم اماما لهم وهو عبد الله بن وهب الراسبي. ونادوا بقية المسلمين للانضمام اليهم. وكانوا بذلك أول من تحدى عمليا احتكار قريش للسلطة العليا في الدولة الاسلامية. ولم يلبثوا أن اشتبكوا مع علي بن ابي طالب في معركة النهروان المشهورة حيث ذاقوا هزيمة مرة فقدوا خلالها امامهم وجلّ

الذين

وفي بداية الربع الأخير من القرن الأول الهجري انقسم القعدة الى فرقتين: الصفرية والاباضية. وقد سميت الاباضية بهذا الاسم نسبة الى عبد الله بن اباض الذي تعتبره المصادر غير الاباضية مؤسس الحركة. أما المصادر الاباضية فتتفق مع بقية المصادر في نسبة الفرقة الى ابن اباض، ولكنها في الوقت نفسه تجمع على أن مخالفيهم هم سموهم بهذا الاسم. وتشير المصادر الاباضية، القديمة والحديثة، الى أن عبد الله بن اباض لم يكن امامهم الحقيقي ومؤسس دعوتهم وإن كان من علمائهم ومشايخهم البارزين في العقود الأولى من تاريخ حركتهم. ويعتبر الاباضيون جابر بن زيد الأزدي العماني امامهم الأكبر ومؤسس مذهبهم. ولم يكن ابن اباض الا واحدا من أتباعه. ومن هنا فان الاباضية لم يسموا أنفسهم بهذا الاسم في البداية ولم يرد في مصادرهم قبل الربع الاخير من

أتباعهم. واعتزل فريق ممن نجا من الموت أصحابهم، بعد المعركة، وتوجهوا نحو القرن الثالث الهجري. وكانوا يلقبون أنفسهم أهل الدعوة أو جماعة المسلمين أو أهل البصرة حيث استقروا هناك. وأخذوا يدعون لمبادئهم سرا خوفا من بطش الولاة الاستقامة والحق (5). الأمويين. وقد تزعم هذا الفريق أبو بلال مرداس بن أدية التميمي الذي نادى بآراء وأفكار معتدلة، وأنكر قتل المخالفين واستعراض الناس على طريقة متطرفي الخوارج. وأمر أتباعه أن يخلدوا الى الهدوء لكن دون استكانة أو مهادنة مع الحكام الأمويين الذين وصفهم «بالجبابرة» (3)

أثناء زعامة جابر بن زيد للحركة اتسع نشاطها وانضم اليها عدد كبير من الناس في البصرة وخارجها. وذلك نتيجة لسياسته الذكية ولاستعماله التقية الدينية ولبراعته في اختيار الدعاة الذين كان يرسل بهم الى الأمصار الاسلامية المختلفة وخاصة في عمان حيث مولده وموطنه الأصلي. ونجح جابر في ربط هدفه بآمال كثير من الناس ممن يعارضون الحكم الأموي القائم. ولم يمت جابر عام 93 هـ الا وقد غدت الدعوة الاباضية عبارة عن مرداس، وبين أقرانهم من متطرفي الخوارج (4). وسمي المعتدلون القعدة أي الذين حركة اسلامية شاملة، رغم سريتها، اجتذبت عناصر مختلفة من قبائل وأجناس قعدوا، طبقا لوجهة نظر الخوارج المتطرفين، عن «الجهاد» ومحاربة مخالفيهم من متعددة، وكان عمله في هذا الشأن ارهاصا لما قام به خليفته أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الذي تبوأ زعامة الحركة بعد خروجه من سجن الحجاج عام 95 هـ، أى بعد وفاة

المسلمين

ونحو عام 64 هـ حدث انقسام نهائي بين هؤلاء المعتدلين من المحكمة، أصحاب

2،

(2) حول الشعارات التي رفعها هؤلاء المحكمة أنظر: بلاذري، أنساب، خط، ق 2، ص 194، طبري،

تاريخ، ج 5، ص 63، 120

،،،

(3) عن آراء أبي بلال انظر: المبرد، ج 3، ص 250، الطبري، ج 5، ص 238، الدرجيني، طبقات قسنطينة، 1974، ج 2، ص 214 - 226، عوض خليفات، نشأة الحركة الاباضية، ص 65 - 70 ن آثروا (4) يجدر بالذكر ان ابا بلال مرداس قد ثار، على الشراء، عام 61 هـ وقتل مع جميع أصحابه الذين

الالتحاق به. حول هذا الموضوع انظر التفاصيل والمصادر في كتابنا، نشأة الحركة الأباضية، ص

ن 66 وما بعدها

جابر بن زيد بعامين (6) استمر أبو عبيدة في أداء المهمة التي اضطلع بها سلفه، وأوجد مجتمعا اباضيا سريا

85

(5) حول دور عبد الله بن اباض في نشأة المذهب الاباضي وتطوره انظر كتابنا، نشأة الحركة الاباضية، ص 75 - (6) المصدر السابق، ص 86 - 102

110 -

- -

14 -