الإمام عزان بن قيس
الجزء ١ · صفحة ٤٥ولكن ربما كان عزان قد حقق حتى ذلك الوقت أقصى الإنجازات، وسرعان ما بدأ التفكك والصراع يجتاح الصفوف الإمامية. يقول جمال زكريا قاسم ومع أن الكثيرين تحالفوا ضد الإمامة فإنها لم تفتقر إلى المؤيدين لها، وكان معظمهم من الإباضيين المدفوعين إلى الولاء للإمام بدافع من عقيدتهم، وكذلك ظللت كثير من القبائل الهناوية وبعض من الغافرية على ثقتهم بالإمام عزان بن قيس»، ولكنه لا يخفى بالمقابل « … عدم تحالف الهناوية والغافرية، وليس من شك في أن الكثيرين كانوا يعادون الإمامة سراً أو علانية بسبب الصبغة الهناوية التي اصطبغت بها، أو لأنهم لم يرتضوا أساليب حكمها»، ويضيف بأنه حتى الهناويين يبدو أنهم قد فقدوا تأييدهم، فيقال بأن الرصاصة التي أودت بحياة الإمام عزان بن قيس هي رصاصة من أحد أتباعه (17). ويتحدث لاندن مفسراً أسباب نجاحات إمامة عزان فيقول بأن انتصاره عام 1868 كان يعود بأسبابه إلى تأييد قسم كبير من العُمانيين لبرنامجهم، وإلى الزعامة المخلصة للطبقة الدينية المحافظة ثانياً، وإلى بعض ثالثاً الزعماء الشرعيين، وإلى إيمان الزعماء القبليين بقضية المحافظين بعد سنة 1867 رابعاً، وأخيراً إلى الضعف والتفكك المتزايد في صفوف الحكام المعتدلين (1)، وذلك حسب وصفه.
(14)
لا ريب أن وجود عزان على رأس الإمامة قد ساهم لكونه من الأسرة الحاكمة في تعزيز الجبهة، وذلك لأنه جلب إلى الثورة قوة من فئة يصعب إستجلاب أحد منها للوقوف لجانب الثورة. ولكن كل أسباب النجاح والقوى التي تجمعت، لم تكن قادرة على تحقيق لم الشمل العام أو فرض الوحدة ومنع الأعداء البارزين من النفاذ إلى صفوف الدولة والتأثير فيها. حينما تحركت قوات المجتمعين من بركا إلى مطرح فمسقط، كان كل من قادتها البارزين قد قطع شوطاً كبيراً، وبذل جهداً مديداً أجل
من
التحضير لذلك الحدث، تمازجت فيه الأوضاع العامة والمسار الذاتي ليصهر كل منهم ويدفعه نحو ذلك الدرب الذي بدأ عاصفاً وسيستمر كذلك طيلة الثلاث السنين التي تلت. والذي شكل تعقيداً وتصعيداً وتكثيفاً لأحداث كانت تتفاعل في عمان منذ بداية الستينات ضد ثويني بن سعيد ومن بعده سالم بن ثويني. وكان عزان بن قيس هو ملتقى تلك التناقضات. فشيوخ الدين بزعامة الخليلي دأبوا على الإعداد لإعلان الإمامة وإحيائها. والصراعات التي برزت بين أبناء الإمام أحمد بن سعيد وتحديداً بين أبناء قيس بن سعيد وسلطان بن أحمد، والتي انتهت إلى تصدر أبناء سلطان بن أحمد وتراجع أبناء قيس، وما مرّ في تسلسل الأحداث من مقتل عزان بن قيس في مناظرة مع أحد الولاة، لإقناع الأخير بالثورة ضد ثويني، كانت تلك الأمور تبلور المزيد من التمرد والثورة في شخصية عزان بن قيس. أما صالح بن علي الحارثي فقد بات موضع تخوف سالم بن ثويني الذي بات يشعر بأن هذا الشيخ الذي يعد من أعوانه قد بات من القوة بما يستدعي إعداد العدة للإيقاع بصالح. وما أن اكتشف شيخ الحرث الشرك الذي للايقاع به بمسقط حتى أخذ منذ خروجه الفوري من مسقط في الإعداد السياسي والتحريضي للثوار فمرّ بالمصنعة والرستاق ووادي بني غافر، وجاء على طريق نجد المخاريم، ومنها على طريق عمان حتى وصل الى الشرقية وهي موطنه «فبقي الخطاب بينه وبين الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي … وكان عزان بن قيس سلطاناً على الرستاق، وكان حسن السيرة فيها، وكان الشيخ محمد بن سليم الغاربي في الباطنة وهو أعلم من فيها ذلك اليوم وأفضل، وكان مسموعاً مطاعاً فيهم لعلمه وفضله، وأما الرياسة فلغيره، فتكاتبوا وتخاطبوا وكانوا يحاولون ظهور العدل في كل حين، فلم تمكنهم الفرصة، وكان الشيخ سعيد بن خلفان قد هيأ لذلك الأسباب وادخر الدراهم، ولم تزل الرسل والمكاتبة بينهم حتى من الله عليهم بظهور العدل واجتماع الشمل»
أعد
(14)
83
82