الإمام عزان بن قيس
الجزء ١ · صفحة ٨٤ولكن، وبالرغم من المعارك الطاحنة والإنتصارات والهزائم المتبادلة، فإن البرتغاليين تمكنوا من فرض هيمنتهم بشكل عام على هذه الأرجاء، وفتحوا بذلك الباب للهيمنة الأوروبية الشاملة
تأسست شركة الهند البريطانية عام 1600، وأبحرت أول سفينة انجليزية من سورات إلى جسك عام 1616، واشتبك البريطانيون والبرتغاليون لأول مرة عام 1620 وذلك في جسك. وستمر عقود عديدة قبل أن يتمكن البريطانيون من فرض هيمنتهم ضمن الهيمنة الأوروبية ذلك بنهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر.
لقد قدم الإنكليز بعد تجارب أوروبية عديدة في الإستعمار، ولقد هضموها واستفادوا منها وأعادوا ممارسة الهيمنة ولكن بنحو «أعلى وأكثر تطوراً «لقد أبقى الإنكليز أسطولهم دائم الإستعداد وقواهم العسكرية جاهزة لأي قمع، ولكنهم أبقوا سلاح القمع مموهاً، بعيداً، لا يلجأون إليه إلا في آخر الأمر ولكن بحسم ودموية. لقد «هذبوا» أساليب الاستعمار مع المحافظة على جوهره وهو خضوع أمة أو مجموعة من الأمم لأمة أخرى أو المجموعة من الأمم، وجعل مصالح الأمة المستعمرة (بكسر الميم) هي العليا، المقياس الأول الذي يقاس عليه ما هو صحيح وما هو في مصلحة «كل
وهي
المجموع».
وإذا كان البرتغاليون قد فرضوا مصالحهم التجارية بعد تثبيت مصالحهم العسكرية، فالإنجليز جعلوا الأسطول العسكري يتبع الأسطول التجاري … لا يفارقه، ولكن لا يتقدمه. وإذا كان البرتغاليون قد بشروا بالمسيحية وفرضوا القيم الغربية، مستخدمين في ذلك السيف وتقطيع الأيدي والأرجل وجدع الأنوف، فإن الإنكليز، أبقوا سيفهم مشرعاً، ولكنهم لم ينزلوه وإنما طالبوا بحرية التبشير والتثقيف وإطلاق الحرية لأوروبا والأوروبيين لتحضير الناس والعمل من أجل تقدمهم». ولذلك بذل
الإنكليز جهوداً كبيرة لتحقيق تفوق عسكري حاسم ولكنهم طوروا جهازاً هائلاً من المؤسسات التبشيرية والثقافية والتعليمية لتحقيق الهيمنة الفكرية وجعل السيطرة بكافة أشكالها مقبولة. ويصف لنا ادوار سعيد هذا الجهاز المعقد على النحو التالي:
كان الإستعمار في البدء يعني تمييز بل، بالفعل، خلق المصالح وتحديدها، المصالح التي قد تكون تجارية أو دينية أو ثقافية، أو متعلقة بالإتصالات. فقد شعرت بريطانيا، مثلاً، فيا يتعلق بالإسلام والبلدان الإسلامية أنها، بوصفها قوة مسيحية، ذات مصالح مشروعة تنبغي المحافظة عليها. وقد نما جهاز معقد لرعاية هذه المصالح. فبعد المنظمات المبكرة مثل «جمعية نشر المعرفة المسيحية» (1998)
و جمعية نشر الإنجيل في المناطق الأجنبية» (1701)، تشكلت جمعيات دعمتها مثل (جمعية التبشير الإنجيلية» (1792)، (جمعية التبشير الكنسية» (1799)، (جمعية الكتاب المقدس البريطانية والأجنبية» (1804)
وه الجمعية اللندنية لنشر المسيحية بين اليهود» (1808). وقد شاركت هذه الإرساليات، بصورة صريحة في التوسع الأوروبي». فإذا أضفت إليها الجمعيات التجارية، والجمعيات المتفقهة، ومؤسسات الإستكشاف الجغرافية ومؤسسات الترجمة، وغرس المدارس والبعثات، والمكاتب القنصلية والمصانع، والجاليات السكانية الأوروبية الواسعة، أحياناً، في الشرق، فإن مفهوم «المصلحة» يكتسب قدراً كبيراً من المعنى. ولقد أصبحت هذه المصالح تحمى، فيا بعد، بحماسة شديدة وبنفقات عالية» (1)
160