الإمام عزان بن قيس
الجزء ١ · صفحة ٨٨القبليين مباشراً وملحاً، وكلما أضحت أية سلطة مركزية ضمن المنطقة نفسها خاضعة لنفوذ الزعماء والشيوخ القبليين. ويمكن استيعاب ذلك بشكل واضح إذا نظرنا إلى المنطقة المحيطة بعُمان، فاليمن بشطريها قد حافظت بدورها وإلى العقود الأخيرة على تركيبة قبلية وضمور في السلطة المركزية إزاء مناطق القبائل ومراكزها وموانئها. إلى الجنوب من عُمان تقع مقاطعة ظفار وتوجد بقربها ولكن ضمن حدود اليمن الديمقراطية محافظة المهرة. وتشكل تلك المنطقتان إثنتين من أكثر المناطق التي يبرز فيها الطابع القبلي للنظام الإجتماعي. وتكاد تكون سلطة شيخ القبيلة محدودة للغاية، ولا يتميز عن باقي أفراد القبيلة إلا بالشحيح من الإمكانيات المادية، وفي المظهر، وإن كان يتميز بقدرته الفذة على القيادة وحل مشاكل قبيلته، وبينما شهدت مناطق جبل عمان الوسطى والشرقية والظاهرة والباطنة تطور سلطة الشيخ، وترابط تلك السلطة قدرات مادية تتميز عن بقية قدرات الأفراد نسبياً ضمن شحة الإمكانيات
العامة.
مع وجود
العديد من
وهكذا تشكلت قاعدة السلطة في نظام الإمام على قرارات الشراة وقدرتهم على التأثير على المشايخ القبليين. وبالرغم من وجود تمايز بين العلماء أو المطاوعة والقضاة والمتفقهين، وبين الزعماء القبليين إلا أن هناك تلاحم وتداغم بين الفئتين. فالكل ينتمي إلى قبائل معينة وإلى مقاطعات ومدن مع ما تفرضه تلك الأمور من إنشدادات وإلتزامات. وبينما يحرص الزعماء القبليون على تعليم أولادهم على يد العلماء، جمع الشيوخ بين مزية العلم والقيادة القبلية، ويرد مثال صالح بن علي الحارثي كنموذج ملموس في هذا المجال. وهناك التزاوج والمصاهرة، والتي تلعب دورها الذي لا ينكر في تحقيق المزيد من الروابط في مثل هذه المجتمعات. وعلى سبيل المثال، فإن الإمام ناصر بن مرشد كان قد تزوج ابنة الشيخ الشقصي الذي لعب دوراً بارزاً في التمهيد لإمامة ناصر بن مرشد،
ومر بنا كيف أن عزان بن قيس قد تزوج ابنة الخليلي. وحيث أنه ليس هناك من حد فاصل أو نظام وراثة في المواقع الإجتماعية بشكل حاسم فيمكن لابن الشيخ أن يتسنم موقعاً ضمن جماعات المتفقهين، ويمكن للمتفقه أن يتسنم موقعاً قيادياً في المجتمع. ويسهل من ذلك أن التعليم والتأهيل لا يقتصران فقط على الأمور الفقهية وإنما حتى على التدريب العسكري، حيث أن حمل السلاح في عُمان وتملك القدرة على استخدامه هو من أوليات الإنتقال من مرحلة الطفولة إلى اليفاعة والرجولة. ولربما لم يحمل رجل الدين باستمرار ولكنه يحمله دونما تردد وقت بروز الحاجة.
وفي ذلك يقول محمد السالمي:
الشعب كله جند حربي بطبعه لا يبلغ الفرد منهم الحام حتى يكون قد اتقن عن أبيه العمل بالسلاح لما كانوا عليه قبل ظهور الإمامة من الفتن والسعايات فصار مألوفاً عندهم حمل السلاح ويعد ناقصاً من أهمل حمله في كل ساعة اللهم إلا شيخ علم أو أعمى أو عاجز على أن شيخ العلم يحمله عند الحاجة بلا مراجعة» (2)
ونمت الإمامة كنظام اجتماعي ومنهج مذهبي ضمن المواجهة المستمرة للمركز. ومواجهة المركز كانت تتطلب منهجاً مذهبياً متمكناً ومتكاملاً، وقوة عسكرية قادرة، وموقعاً جغرافياً مؤاتياً، وهذا ما توفر كله في عُمان القرون. ولم يواجه هذا الوضع أية تحديات حقيقية حتى الوقت الذي انتقلت عُمان من وضعية الطرف إلى تشكيل المركز للإمبراطورية التي قامت بمواجهة البرتغاليين وكحل وحيد لمواجهتهم في الحقيقة. وهنا برزت مسألة الوراثة توضع في البحث. وبالرغم ان الوراثة في الحكم قد وجدت
عبر
179
168