محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ محمد بن صالح ناصر

محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٠

في هذا المناخ المنتقض، نبتت فكرة كتابة التاريخ عند محمد علي النفقات المادية المرهقة، وتجرّع غصص شظف العيش، وصبر للعذاب النفسي في غربة موحشة هنا وهناك إيمانا منه برسالته، صور وازداد الإلحاح على تجسيدها عندما اسندت اليه مادة تدريس التاريخ بمعهد الحياة فور عودته من القاهرة سنة 1948، وقد وإدراكا منه لما للتاريخ من تأثير في بناء الأجيال. وبدأت هذه الرحلة الطويلة الشاقة مع الكتابة في رحاب معهد اصطدم بالمغالطات التي تكتظ بها المصادر القديمة وحز في نفسه ما الحياة بالقرارة، ثم في أروقة جامع الزيتونة بتونس، لتنطلق الى يقرأه من تعصب بين في هذه المؤلفات التي كان أغلبها يكتب استجابة النزعة قبلية أو جنسية أو مذهبية، فقد كان من وراء العديد منها،

فضاءات القاهرة المتفتحة بمكتباتها وجامعاتها. فقد كان الشيخ دبوز من أوائل المهاجرين الى القاهرة طلبا للعلم الملوك والحكام الذين كانوا يحاربون معارضيهم بتشويه تاريخهم واستزادة من المعرفة، أنّها عن طريق تونس والحرب العالمية الثانية والباسهم لبوس الخروج عن الجماعة الإسلامية شديدة الأوار. ودخلها سنة 1944 سائرا على قدمية قاطعا حدود كما اصطدم من جهة أخرى بهذا الأسلوب العلمي الجاف الذي تونس وليبيا متستراً في ظروف الحرب العصبية، ورابط بدار الكتب يقدم المعلومات في قوالب حجرية جامدة لا تستثير عاطفة ولا تحرك المصرية باحثا، وجلس في مدرجات جامعة القاهرة مستمعا، وتعرف إحساسا، أو هي تستطرد في متاهات من التفاصيل التي تشوّش

على العلماء والأدباء المصريين فاكتسب تقديرهم واحترامهم، وأصبح الذهن أو تنأى عن الحقائق الى جزئيات هامشية لاغناء وراءها .. وهذا ما دعاه الى أن يقدّم المادة التاريخية بأسلوب جديد في الكرسي رقم (61) بدار الكتب يعرف بكرسي محمد علي من طول عشرة ودوام مصاحبة. وبعد غياب عن الأهل والوطن دام أربع سنوات شكل خلاصات مركزة بأسلوب أدبي رائق، يزيد للتاريخ وضوحا ويضفي عليه رونقا ويكسبه طلاوة تحببه الى النفوس، فكان إقبال كاملة عاد الى الوطن وقد تفتح أفقه، وتطورت معارفه.

التلاميذ على هذه الخلاصات عظيما ورغبتهم فيها قوية، لأنهم عاد الى الجزائر التي كانت تعيش في هذه الأثناء بين آلام مجزرة اكتشفوا منهجا جديدا لم يألفوه في الأساتذة من قبل، حتى إذا كانت ماي 1945 وآمال ثورة نوفمبر 1954، وكان المثقفون الجزائريون سنة 1950 عزم الشيخ على أن ينهج النهج نفسه في تأليف عام يتطلعون الى تجسيد ذواتهم في كل خطرة من خطرات الزمان، وفي

كل ذرة من ذرّات المكان، يبحثون عن وسائل الكفاح والجهاد في المدارس، والمساجد، والمنتديات، والشوارع ويحاولون تجسيد كل ذلك من خلال الكتابة والخطابة والمسرح والكشافة، والتخطيط السياسي، والعمل الثوري الخفي جالها منهية لحوالى، ملا

يتناول فيه تاريخ المغرب الكبير، لا يتوجه به الى تلامذة المعهد وحدهم، بل الى القاريء العربي حيثما كان، وخطط لعمل يحتوي على عشرة أجزاء كاملة يتناول فيها تاريخ المغرب الكبير قديما وحديثا، كما أسلفت، وكان يشغله في هذه الأثناء همان مقلقان: هم

-17 -