محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ محمد بن صالح ناصر

محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١١

جمع المادة من مصادرها الحقيقية ولا سيّما ما كان منها موزعا في صدور الرجال من التاريخ المعاصر، وهم إيجاد منهج إسلامي أصيل يصحح به ما تواطأت عليه الكتب القديمة مادة وطريقة، ولم يكن من السهل على أستاذ مثل الشيخ محمد علي المعروف بانضباطه ونظامه، أن يجمع بينا تحقيق هذه الأمنية وبين رسالته التعليمية في

يذرع الجزائر شرقا وغربا يجلس الى العلماء والأدباء والمصلحين يسمع عنهم التاريخ مباشرة، فلم يترك بلدة من نواحي القطر يحسبها ضرورية لمشروعه إلا وسافر اليها. فتسمع أحيانا أنه في بسكرة يجمع مادة علمية عن الطيب العقبي، وأخرى في تبسة عن العربي التبسي

وفي قسنطينة عن الشيخ ابن باديس، وفي سطيف عن الشيخ

معهد الحياة التي كانت تأخذ منه حوالي عشرين ساعة أسبوعياً الإبراهيمي، وهكذا، وهكذا، وهو في كلّ هذه التنقلات المستمرة

تتوزعها مواد مختلفة من التاريخ والأدب، وعلم النفس، والمنطق، ولكن الشيخ كان نسيج وحده في تنظيم أوقاته، دقيقا في برمجة جدول أعماله اليومية، فهناك وقت لتحضير الدروس، ووقت للكتابة والتأليف ووقت للتدريس بالمعهد، ووقت للأهل والإخوان. وهكذا راح يغالب في إصرار مجتمعا تكثر فيه الإرتباطات الإجتماعية، وتتحكم فيه العادات والتقاليد، وتنأى به عن العمل الجاد كثرة الأعراس والمناسبات، وجلسات المفاكهة والسمر، وقد واجهته في البداية صعوبة إفهام الناس الذين تعودوا على أن يكون مشايخ العلم والدين زينة تلك المجالس ومتصدريها، ولكن بفضل عزيمته القوية، وصرامته الى حد القسوة على نفسه، ما لبث الناس أن عرفوا ذلك في طبعه فأحبوه واحترموه بل أن الكثير من تلامذته قد تأثروا به وقلدوه في نظام حياته. وهكذا راح بوحي من إيمان عميق برسالته يتحدى الصعاب ويغالب العقبات المادية والمعنوية، وكانت البداية بالوسائل الخاصة آلة تسجيل من النوع القديم الثقيل، ودفترا وقلما لتسجيل الأسئلة والخواطر، وعزيمة فولاذية لمجابهة الظروف العصيبة. وراح الشيخ

موات

المرهقة، لا يملك وسيلة نقل خاصة، وإنما هي وسائل النقل العامة، وأحيانا تكون الجهة التي يقصدها لا تتوفر على هذه الوسائل

وهكذا جمع مادة غزيرة عن أعلام الإصلاح في الجزائر، وجمع مادة أغزر عن النهضة العلمية ورجالاتها بوادي ميزاب، وكشف بفضل جهوده المعتبرة النقاب عن شخصيات جليلة كادت الأيام أن تطويها إهمالاً ونسياناً. وأخذ مشروعه العلمي يتحقق سنة بعد سنة، ويخرج للعيان كتابا بعد كتاب، ولا يستطيع أن يقدر جهوده في هذا المجال إلا من أطلع على الأشرطة الكثيرة التي سجلها في مقابلاته الطويلة مع العلماء ورجال الفكر، ورأى بعينيه هذه الذخيرة القيمة التي جمعها من صحف قديمة، ووثائق وصور، ورسائل، فقد تجمع له بفضل الحرص الدائب ركام هائل من هذا التراث القيم الذي نأمل أن يحافظ عليه أنجاله الكرام في مكتبته بمسقط رأسه (بريان)، وأن يسهلوا لطلاب العلم والباحثين والدارسين والمهتمين الاطلاع عليها والإستفادة منها، فذلك هو حق والدهم وأمتهم عليهم

ريستال سفيانتا

- 19 -

- 18