محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ محمد بن صالح ناصر

محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٩

ترى من يتذكر أمثال هذه الأصوات النقية الصافية اليوم وقد

بالنهيق والعويل، فلا أسمع لذكراه همسا ولا حفيفا. وأقلب الصحف والمجلات الوطنية فإذا هي ذاكرة مفقودة وإنفصام في الشخصية مريع. ففي الوقت الذي ترفع أجهزة إعلامنا عقيرتها فيه بتمجيد أولئك طواها النسيان والجحود أو كاد، أليس هذا المسلك المنحرف هو من بين العوامل التي أدت الى أن يصبح من بين أبناء الجزائر اليوم فتية ودعاة مجاهرة للانحلال والتهتك، نراها واجمة ساكنة لا تذكر الرجال، مراهقون يستنكرون أن يطلق إسم محمد علي دبوز على متوسطة في

الذي كانوا الى لحظة خروج الروح معاول هدم للأصالة والذاتية،

الذين وهبوا حياتهم لتكون كلمة الله

هي

العليا، وافنوا أعمارهم ليظل

صوت القرآن مجلجلا في كل شبر من هذا القطر المفدى بالدم والدموع، وأضحك باكيا من أعماقي لهذه المفارقات التي قلبت موازين الفكر عندنا، فأصبح للإلحاد صوت يعلو، وللعرقية والطائفية صحيفة وناد. فأي ضلال هذا الذي يدفعنا الى التنويه بدعاة اللائكية والعلمانية ولو كان هذا بأسم الأدب والمسرح وما شابههما، فلو أن الإحتكام كان الى تعاليمنا الإسلامية، ومبادئنا الوطنية ما ارتفع لمناوئي الإسلام صوت ولو كان أصحابه كتابا إسما ومسمى الا الله واسمع صوت الشيخ محمد علي دبوز فصيحا مسترسلا من بين هذه الأصوات يعيد ما قاله منذ خمس وعشرين سنة، وكأنه بنور الله يبصر قائلا: «إن الاستعمار اللاتيني قد زال من مغربنا الكبير والحمد لله، ولكنه ترك في كثير من خريجي مدراسه وجامعاته من أبنائنا عقدا نفسية خطيرة هى أضّر لنا من الإستعمار، وأوحى الى كثير منهم بأن الإسلام ليس دين المدنية، والعظمة وأن اللغة العربية لا

تساير المدنية» (1). (أنور الجندي، الفكر والثقافة … ص 309). فيحضنا منة الله وبه به شدا

(1) أنور الجندي، الفكر والثقافة في شمال افريقيا ص، 309 ه بع لها وما فيها

- 14 -

حجم الكف بزاوية من زوايا الصحراء المنسية ببلدية (القرارة) ويتطاولون على مؤرخ المغرب الكبير فيرمون أعماله وجهاده بالحجارة. إن من سمات الخسران عقوق الولد لوالده، وتطاول التلميذ على أستاذه، وإن من علامات الإفلاس والمديونية الحقة أن نخسر المباديء والأخلاق، وأكاد لانحراف مناهجنا التربوية أن أعفي هؤلاء المراهقين لأنهم لو عرفوه وعرفوا أعماله وجهاده حقا ما تجرؤوا على أن ينكروه، ولأسرعوا الى تعليق إسمه على واجهة الثانويات والجامعات، ولما بخلوا عليه بمتوسطة بدعوى المذهبية والطائفية .. ترى هل أستطيع في هذه العجالة أن أرسم صورة لملامحه؟ وهل أفلح في التعريف به في هذه الأسطر القليلة؟ وهل أستطيع السيطرة على منهج الكتابة أمام تعدّد جوانب شخصيته الغنية؟ التحدث عنه مربياً ناجحاً؟ أم مؤرحاً ضليعا؟ أم أديباً مقتدراً؟ العالم سأحاول أن أقترب من هذه الجوانب كلها من خلال آثاره الفكرية لأنها الشاهد العدل على ما أقول، وأرجو أن يحالفني التوفيق فيها فكرت وأبديت. قد كانت كتابة تاريخ المغرب الكبير قديما وحديثا بكل أبعاده وجوانبه عشقا وهياما بالنسبة للشيخ محمد علي دبوز، أعطاه عمره كله، ورابط في هذه الواجهة مرابطة الجهاد والتفاني، فتحمّل

-15 -