محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ محمد بن صالح ناصر

محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٢

مطبعة (عيسى البابي الحلبي، حيث يتابع طبع كتبه، أو يخرج الى السوق لقضاء حاجاته الضرورية، وهو لا يعرف الراحة إلا يوم الجمعة التي يخصصها لزيارة أصدقائه المصريين أو أبنائه الطلبة الجزائريين وتلك هي وسيلة الراحة والإستجمام عنده، وكان في جلساته تلك مع إخوانه خفيف الروح، دائم الإبتسام، يعشق النكتة الظريفة ويضحك لها من الأعماق، وهو يشيع جوّ المرح بين إخوانه حتى يخفف عن نفسه أتعاب الأسبوع المرهقة ويشحذ ذهنه لعمل مقبل

ولم تكن جهوده وهو يجمع مادته التاريخية تقل عن الجهود الجبارة، والتضحيات الغالية التي بذلها من أجل طبع كتبه، فما أن استقلت الجزائر حتى زمّ حقائبه متوجها الى القاهرة ليطبع كتابه الأول تاريخ المغرب الكبير، ورابط بها قرابة سنتين بعيداً عن الأهل لينجز هذا العمل الضخم، كان ذلك تم بين سنتي (1962 - 1964) وكنا طلابا بالقاهرة، كنا نزوره في غرفته من حين الى آخر (ببنسيون) قديم في حي (التوفيقية) في قلب القاهرة، فنجده غارقا بين أكوام الكتب باحثا ومنقبا أو بين ركام الأوراق والمسودات، مصححا ومصوبا، وكان رحمه الله صارما في تنظيم وقته ما أم الجزائر أم قسنطينة أم القرارة. وكانت تلك طريقته وهو ينتقل

أسلفت، لذا كان يبادرنا فور التحية مباشرة قائلا لديكم معي يا جماعة عشر دقائق أو ربع ساعة أو أقل أو أكثر، ولم نكن نتأذى من سلوكه ذلك أبدا، بل كان مثار إعجابنا وتقديرنا لجديته في العمل، وتقديره الدقيق لقيمة الوقت، ومحاسبته الشديدة نفسه على كل ثانية من عمره ..

كان ذلك طبعه ومنهج حياته حيثما كان، في القاهرة أم دمشق

بين هذه المدن كلها ليطبع كتبه وبعد كفاح دام أكثر من ثلاث سنوات من الجهد المتواصل أخرج الجزء الثاني والثالث من المغرب الكبير ثم الأول، وهو يحلّل ذلك بقوله إن تاريخ المغرب قبل الإسلام وإن كانت حلقاته مظلومة. فإن الذين ظلموه إنما هم الرومان والمستعمرون وما زلت أتذكر - ولعلّ الكثير من طلابه يتذكرون - كيف اللاتينيون الذين يتبين أبناء المغرب أكاذيبهم. أما الفتح كان يوصينا من حين إلى آخر على مصاحبة أمهات الكتب، ومراقبة الإسلامي، وتاريخ المغرب في القرن الثاني والثالث النفس في العمل الجدي المفيد، وقد تعلمنا منه ذلك الشعار الذي الهجري، فقد كان الذين شوهوه بالأكاذيب إنما هم الملوك مازال يدويّ في أنحاء النفس «عليكم بالفرس الأدهم» وهو يعني القدماء وصنائعهم من المؤرخين .. الذين ينخدع بهم المطالعة والكتابة والعمل الجدي في السّحر حين يكون البال أهدأ، أبناؤنا وإخواننا في المشرق فيقعون في أخطاء فاحشة أنشط، والسكون يغري على العمل والتفكير حقاً، وحين لا تسيء الى المغرب» (1) .. وما لبث الكتاب ان استقبل استقبالا يسمع المرء إلا أنفاسه وحفيف أوراقه. كان يرابط بغرفته تلك منكبا

والذهن

على التأليف والتصحيح مدة أسبوع كامل لا يخرج خلالها إلا الى (1) تاريخ المغرب الكبير، ج 2، ص، 32.

21 -

- 20 -