محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٨حتى غدت كتابة التاريخ عند بعضهم لا طعم لها ولا لون، بل إن المرء ليحس وهو يقرأ بعض هذه الكتب الأكاديمية وكأنه يمضغ كاغدا
والمدرس عندئذ لا يمكن أن يكون ناجحا إلا إذا عشق تدريس هذه المادة الى حدّ الهيام، ومن ثم فإنه يبين بعض المواصفات التي ما يلبث أن يلفظه. ينبغي توفرها في هذا المدرس وما هي الطرق البيداغوجية التي يتطلب منه إتباعها في طريقة التدريس، وأول هذه المواصفات الإقتناع التام بما يقوله لتلامذته، والإنفعال القوي مع دروسه أثناء العرض والتحليل فيجب أن ينبع التاريخ من متأججا بوجدانه ومن عقله ممتلئا بفلسفته لا من لسانه وحده فيكون أخبارا باردة يسردها، وأنباء عتيقة ميتة يحكيها .. » (ص (23).
أعماقه
يقول الشيخ دبوز لنحقق النتائج التربوية بالتاريخ يجب أن يتحمس المدرس والمحاضر والمربي للفضيلة في تاريخ العظماء ولكل الأشياء الحسنة في الأمة التي ندرسها والدولة التي نعرض تاريخها ليفيض وجدان المربي والمحاضر على تلاميذه فيكون وجدانهم فيعجبون مثله بالفضيلة فينبهون لها، ويدركون جمالها، ويكونون مثله في التعلق بها والرغبة فيها، كما يجب أن يمتليء كرها للرذيلة
وما من شك في أن الكثير من أساتذة التاريخ اليوم قد يختلفون وللخيانة ورقة الدين ولكل الأشياء السيئة في التاريخ مع الشيخ في هذه النظرية ولا سيّما أولئك الذين يؤمنون بمناهج ليكون تلاميذه على وجدانه فيمقتونها ويهربون منها. الغرب فيما يسمى بالموضوعية، والحياد العلمي، والبحث النزيه وما (ص 23). أشبهه. وأحسب أن الموضوعية شيء نسبي في كل ما نقول وما نكتب فليس ثمة كتابة ولا سيما في العلوم الإنسانية يمكن القول عنها أنها موضوعية محض، لأن الكتابة تصدر قبل كل شيء عن رجل ما، والأسلوب هو الرجل في البداية والنهاية. وإنما يكون التفاوت بين من تغلب عليه العاطفة فينساق وراءها، أو بين من يحاول تحكيم العقل فيسترشد به الى
تعان
والمنهج الإسلامي عند الشيخ دبوز لا يتجلى من خلال ما أشرنا اليه سابقا - وأغلبه كما لاحظ القارئ الكريم له علاقة مباشرة بتربية - الناشئة الإسلامية - وإنما هو يتعدي ذلك الى طموح أسمى وهدف أرقى، إنه يتطلع الى أن يكون التاريخ عامل وحدة تجمع بين
شعوب الأمة الإسلامية يذكرها بأمجادها الماضية لتحن الى إعادتها
ويحرك في أعماقها الجراح لتعمل على التغلب عليها، لذا ينبغي على
والواقع أن الشيخ دبوز يوضح نظريته هذه وهو يتحدث عن المؤرخ المسلم أن تكون نظرته متجاوزة لهذه الفوارق مهما يكن نوعها دور المربي من خلال المفهوم الإسلامي الذي ينظر الى دور المعلم الذي أجناساً أو مذاهب، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا اذا سادت النظرة الموضوعية المتعالية على العواطف والأهواء وهي تتطلب ولا شك
الى درجة تقربه من دور الرسل، ولا ينظر الى تدريس المادة يسمو من خلال المفاهيم الغربية التي أغرقنا بها المستشرقون والمتمغربون،
- 33 -
،
- 32 -