محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٤الدنيا القديمة، ومثلت نبوغه وعبقريته وأجلت إباءه وبطولته، ان يوغورطه قد كتب فيه حتى الأوروبيون فنوهوا ببطولته وجعلوا منه للزمن مثلا أعلى في الشجاعة والدهاء، والاقدام ونرى الأستاذ لا يلم الا المامة صغيرة بمصينسا ثم يهمل الشخصيات الأخرى فلا يزيد على إثبات أسمائها في جدول جاف ما هو بالجدول للناشئة التي يجب أن نراعيها في التأليف واذا كان الأستاذ يرجى تاريخ هذه الشخصيات إلى الجزء الذي يخصصه للجندية والحرب فانه لم يحسن صنعا ببتر هذه الفصول من مواطنها، وتأخيره هذه الأبواب عن أماكنها، فان أعمال هذه الشخصيات حوادث تاريخية يجب أن تتسلسل، وهي نتيجة لوقائع في ذلك الدهر يجب أن تتوالى، أما قطعها فازالة لحياتها وتعطيل لما بترت منه لأنها حياته وهل جمال العهد القديم الا هذه الشخصيات، واذا كان تاريخ العرب قبل الإسلام جل حروبه في العصبيات الضيقة وفي الفتن الداخلية فوجد من المؤرخين من فصله وبينه وأعطاه حقه وفيه كثير مما يود أصحابه أن أصحابه أن يموت فلماذا لا نحتفل بتاريخ الجزائر قبل الإسلام وجله مما يود أصحابه أن يحيا، واذا وجدنا هنات فالتاريخ للعظة فيجب إثباتها للإعتبار يجب على أدبائنا أن يعتنوا بهذه الحقبة من التاريخ ففيها من قصص الوطنية والبطولة ما يجب تقديمه للناشئة، وفيها من المادة الغزيرة ما يخلق الشخصية، وقد رأينا الأوروبيين يعتنون بمواقف البطولة في تاريخهم فيصوغون منها قصصا للأطفال، ومقالات للشباب، وروايات للمسرح فينوهون بمفاخرهم بكل لسان، ويرسمونها مثلا أعلى الشبابهم بمختلف الوسائل، فترى أممهم تعيش في تاريخها في كل أدوارها وترى
أبطالهم أحياء في نفوسهم يوجهونهم في السلوك ويرسمون لهم الطريق
الذي سلكوه قبل فوصلوا، أما تاريخ الجزائر عموما وتاريخه قبل الاسلام خصوصا فلا يعرف الجزائري منه الا عناوين، والمثقف الا حقائق جافة لا تخلق روحا ولا تذكى نفسا، يا قوم ان التاريخ مجال الأدب الأكبر، ومسرح الفن الأعظم، فاغمسوا فيه أقلامكم تأتوا لنا بالأدب الرفيع، واتجهوا إليه في القصة والرواية تقدموا إلينا الغذاء الذي يفرضه العصر علينا، ان تاريخ الجزائر قبل الإسلام حافل بالعبقريات والأمجاد ويوم يهب الله له من يصور لنا بطولته بأسلوب فني ويتناولها بقلم أدبي تظفر مدارسنا بأحسن بيئة يعيش فيها الأبناء فتذكي فيهم وراثة الآباء ثم ينتقل الأستاذ إلى تاريخ البربر في صدر الإسلام ومواقفهم ضد ظلم بني أمية، وثوراتهم على من يعاملهم بالحيف ويحيد فيهم عن عدل الإسلام، فيظلم البربر ظلما شنيعا، ويحكم عليهم أحكاما بعيدة عن العدل والصواب، ويصفهم بأوصاف يستحقون غيرها ويضعهم في مرتبة يتنزهون عنها، وينظر إليهم نظرة شزرى ولو حكم المنطق وروح الإسلام لنظر إليهم نظرة الرضى، وأرى أن الأستاذ اعتمد كتب التاريخ القديمة في هذا الباب، ونقل ما أثبته القدماء للبربر للبربر بدون تمحيص ونقد، وكتابه كما قال في مقدمته «لم أجيء فيه «تاريخ الجزائر» بشيء جديد أو مبتكر حديث وإنما هو جمع وتدوين لما كنت سطرته لنفسي وجمعته من تاريخ وطني العزيز المشتت هنا وهناك!»
ان التاريخ عموما يوجب على الإنسان أن يكون متيقظا كل
- 45 -
- 44 -