محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٥التيقظ فيه لأنه ليس بالحقائق العلمية التي يتناولها العقل فيثبتها كما هي ولكنه حوادث هي مظهر للعقائد فالإنسان ينظر إليها بعقيدته أيضا فتصورها كما تريد، وتاريخ الدولة الإسلامية عموما سيما ما يتصل بالبربر في القرن الثاني والثالث من الهجرة قد تحكمت فيه السياسة وداخلته أهواء الساسة فصار من الأساليب في الدعاية ومن الأدوات في الهدم والبناء، وقد كان كثير من العلماء المؤرخين بطانة للسلاطين لا يكتبون الا ما يرضي ملوكهم، ولا يكتبون في كتبهم الا ما يتفق مع سياستهم التي تنبع أحيانا كثيرة من صبيانيتهم وأنانيتهم لا من الدين، فترى أولئك العلماء فيهم روح الشعراء: يحكمون الوجدان ويغرفون من العاطفة، فاذا تحدثوا عن أعداء دولتهم من الممالك الإسلامية الأخرى صوروها كما يملى حقدهم فيجردونها من الحسنات ولا يثبتون لهنا الا السيئات وتراهم ينفخون في الحصاة من السيئة حتى تصير جبلا أشم، ويغطون الحسنات الكبرى التي تملأ الدنيا بجمالها وأريجها حتى تصير رائحة ضعيفة لا
تشم
أما اذا تحدثوا عن ملوكهم فهم الأطهار والعظماء، وهم خلفاء الأنبياء، وهم، وهم الملائكة في البسيطة، وان كانت درجاتهم في أخلاق الإسلام وطهره بسيطة وكان الملوك اذا أعجزهم منافس فلم يستطيعوا قتله بالسيف، في الأرض حاولوا قتله بالدعاية في القلوب، فيشيعون عنه الأراجيف، ويلصقون به التهم ويصورونه في هيئة تنفر عنه القلوب، فتنتشر أكاذيبهم فيلتقطها الرواة والمؤرخون وتصبح مع الزمان حقائق راسخة وشهادات صادقة سيما اذا جاءت من
مؤرخ يعتقد فيه الصدق ووصلت من طريق يثق به الناس، وقد تهزم دولة دولة أخرى فلا تكتفي بابادتها من الوجود تعمد الى ما يزيلها من القلوب أيضا فتلتصق بها كل نكراء، وتطلق فيها ألسنتها فتلطخها بكل سوء، وألسنة الملوك هم العلماء والشعراء، فترى العلماء يستخدمون حتى الدين في هذه الأغراض فلا يتورعون من وضع الأحاديث التي تؤيد مقاصدهم وتأويل الآيات القرآنية تأويلا باطلا يثبت دعاويهم. مال وهذا هو سبب وجود كثير من الأحاديث في السنة في بعض الفرق وشيوع كثير من التفاسير في القرآن تتعلق بهجو بعض المذاهب.
وقد رأينا في زمننا هذا أن الحلفاء لما هزموا ألمانيا في الحرب الأخيرة كيف شرعوا فيها ألسنتهم فصوروها لكل قوم بما يقتلها في قلوبهم فقالوا عنها لنا: انها مستعمرة متجبرة، وأنها تريد الإبتزاز والابتلاع وإنها عدوة الأديان سيما دين الإسلام، وأنها متعصبة للعرق الجرماني، وأن العرب عندها تحت مرتبة اليهود إلى غير ذلك مما ينفر القلوب الإسلامية عنها، أماهم فاخواننا الأشقاء خلقوا لحياطتنا وإنعاشنا فهم الغمام المبارك لروضنا وهم أصدقاء الإسلام، وهم سلمنا
الى السعادة. حية ان العصر الحديث وليد العصر القديم فعلى حسبه كان في كل النواحي وعلى أساليبه هو في أنواع الحروب وان اختلفت الأداة وتغير المظهر، والنفس البشرية واحدة في كل العصور وان اختلفت أزياؤها وتعددت ألوانها، وقد إنفصل المغرب عن بني أمية وبني
- 47 -
- 46 -