محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ محمد بن صالح ناصر

محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٦

العباس في القرن الثاني من الهجرة فتأسست فيه دول عظام لم يستطع الأمويون والعباسيون ازالتها بالسيف فأطلقوا فيها ألسنتهم الكاذبة، وقد عهدوا إلى المزاج الديني الذي يسود الأقطار الإسلامية في ذلك الزمان سيما المغرب فاستغلوه في دعايتهم فوضعوا الأحاديث الكاذبة والروايات المزورة فصوروا تلك الدول طوائف مارقة من الدين وأحزابا شاذة عن جماعة المسلمين وظلوا قرونا وهم يلوكون هذه الدعاية ويواصلون هذه الحرب حتى رسخت أكاذيبهم فصار الرواة ينقلونها على أنها حق لا ريب فيه ثم إن الأمويين والعباسيين لم يكتفوا بطعن الدول المغربية التي انفصلت عنهم في سياستها فعمدوا إلى جنسها يحطون منه بالترهات فأشاعوا روايات كثيرة تحتقر البربر وتهجو المغرب وتراه شر النواحي

عن عبد

الله

روى ابن عبد الحكم وهو من المشارقة في تاريخه فتوح مصر والمغرب بن عمرو بن العاص قال: «خلقت الدنيا على خمس صور، على صورة الطير برأسه وصدره وجناحيه وذنبه، فالرأس مكة والمدينة واليمن، والصدر الشام ومصر والجناح الأيمن العراق، والجناح الأيسر السند، والذنب من ذات الحمام إلى مغرب الشمس وشر ما في الطير الذنب» وأنا أنزه عبد الله بن عمرو بن العاص عن هذه الأحاديث انها من أكاذيب السياسة أجرتها على لسانه وقد رأيناهم لم يتنزهوا عن الكذب على الرسول الله فكيف يتنزهون عن الكذب على الصالحين، ان عبد الله بن عمرو من العبادلة الذين شاركوا في فتح المغرب، ورغبوا

وبعد

وبعد فان التاريخ الإسلامي قد كتب جانب كبير منه تحت نظر الملوك فألف على هواهم فيجب علينا أن نتيقظ كل التيقظ في دراسته فليس كل ما ورد فيه صحيحا، وقد زالت الأسباب السياسية التي تحجب في القديم عيون العلماء أن ترى الحقائق، فمن سوء الرأي أن نسلك سبيلهم فنظلم الأبرياء ونقلدهم فيما ألصقوا للبربر من تهم شنيعة، ان المشارقة قديما اذا عصفت بهم العصبية فثلبوا البربر لأنهم يرونهم بعداء واذا فعل ذلك البربر مع غيرهم فلا يجوز لنا نحن في هذا الزمان في المغرب لأن البربر أجدادنا وآباؤنا والعرب أجدادنا وآباؤنا فمجد كل منهما لنا مجد وتاريخ كل فريق منهما تاريخنا، وقد امتزج الدم العربي والحمد لله في المغرب بالدم البربري فتوحد وأصبحت مدن المغرب كلها مزيجا من الدم العربي والدم البربري، والذين يدعون من أصحاب المدن أنهم عرب أقحاح أو بربر خلص جهلاء أغبياء لا يعرفون الحقائق، انه لم يعد البربري القح الا في الجبال النائية، والعربي القح الا في أعماق الصحارى، أما أهل المدن كلهم - والمثقفون والكتاب منهم - فعرب وبربر فعار أن يتعصب أحدهم على فريق وهو أصله ومعدنه، وقد رأيت الأستاذ عبد الرحمن الجيلالي في كتابه يتأثر بتلك الدعاية المغرضة التي شرعت ضد البربر لما انفصلوا عن الأمويين والعباسيين فأسسوا دولهم الكبرى، وينظر إليهم بنظرة القدماء التي خلقتها الأنانية لا الدين، ويحكم عليهم بأحكامهم التي أرسلها التعصب للجنس والنفس لا للإسلام فيظلم

عثمان في فتحه لأنهم رأوه قوة كبرى للإسلام، وجناحا أعظم للدولة البربر بوصفهم بالشذوذ عن الصواب ويورد لنا باب ثورة البربر على الإسلامية، وساعدا أشد للإسلام والمسلمين لتعلق المال

الدول التي جارت عليهم مبهما غامضا ليسي فيه واضحا، الا مواقف

- 49 -

48 -