محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ محمد بن صالح ناصر

محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣٩

حمار الحكيم (1)

غائرتين

كان حمارا هزيلا أعجف هجرته الرياض ففعل به الهجر ما يفعل بالعاشق الذي يراعي النجوم لا يعرف النوم ليله ونهاره لشدة بلواه وانقطع عنه العلف فلا يراه إلا في المنام اذا حلم به فعاد صورة حمار لم يبق فيه كاملا الا حوافره. وكانت أذناه مهدلتين من الجوع تهدل أوراق الشجرة اذا ألح عليها الجدب. وعيناه بن من الهزال كأنهما تحاولان الهرب منه فتقهقرتا شيئا فشيئا عن محجرهما وكان شعره مشعثا مغبرا، كأنه هشيم الأرض اذا جفت بنيران السموم وكان جلده مترهلا عليه كأنه كفن لفت فيه عظامه التي بالغ الجهد في تعريقها فصارت فيه كفروع الشجرة العارية في الشتاء، وكان ساهم النظرة يحدق بهما في ذهول كأنه فيلسوف يمعن النظر في حقيقة ليست في الخارج ولكن في دماغه وكان مطأطئ الرأس يمشي وهامته منخفضة أمامه لا يكاد يقوى عنقه الهزيل على حملها كأن الأيام التي أكلت من جسمه قد زادت فى عقله فأثقلت رأسه بكثرة أفكارها. واذا نهق الجهد نهيقه فيصدر منه مقطعا كاهات المريض. قلت له: يا هذا أراك مسكينا من الدواب وأنت في بيئة الشمال الخصبة فهل ثر عقلك فقدر عليك عيش الأديب الذي يكتب له رزقه الاكبر من أفكاره فيموت جوعا في ميادين المال والثراء. أراك لا تعرف وفكاهتك مثل شار

(1) المصدر: البصائر عدد 217

الرحم

أضعف

من

الشعير الا بالإسم وأظنك أنك نسيت من الألوان الأخضر لأنك لم تشاهده في الكلاً منذ أمد طويل. فمن عاشرت من بني الإنسان فأهملك هذا الإهمال وقتر عليك في الرزق ورآك مستعمرة لا تمنح أسباب الحياة إلا بمقدار ما تتحرك كي لا تموت فتفقد ذاتها لقد أمسيت هزيلا وظلك يبدو للناس أكثر منك لأنه يحجب عن النفوس المقرورة شمس الشتاء فتشعر به. انك يا مسكين موجود في الأرض ولست موجودا فأنت من الهزال كهمزة الوصل لا تبين في النطق وهي موجودة في الكلام! فمن الذي حذف منك النضرة والفراهة بالنفي فضؤلت وصرت كالفعل المنفي قد حذف منه ما يرتفع به؟! قل من أهملك ما دامت هيئة الأمم معقودة لأرفع أمرك إليها فتنصفك فإنها نصيرة الضعيف وخليفة المسيح في الأرض .... فرفع الحمار رأسه وقد شعر بالشبع القلبي من الرحمة لما وجد من يكترث به ويرق له فاسترجع قوته فقال: ان صاحبي الأستاذ (حوحو) وقد هاجرني وأمسك غذاءه لأنني عنده حمار كالأرض السبخة لا تسمن بالنبات وقد حكم علي بهذا بعد أيام قليلة من عشرته وبعد محاولة قصيرة بالغذاء، وكان يناولني الحشيش باليمنى ويتلمس ظهري باليسرى مفتشا عن أثر علفه في الشحم واللحم قبل أن أقضه وأهضمه فلو كنت نارا يمدني بالوقود النفط ما انتظرمنى أن أربو وأزداد في اللهب بتلك السرعة التي يريدها في زيادتي بالسمن! قلت ان صاحبك قد أثرت فيه مهنة البرق التي كان يشتغل بها في البريد فصارت السرعة هي طابعه في الحياة فقدتهكم على

هو

من

- 75 -

عني

ET

- 74 -