محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٩مركبت القطار السريع إلى طنطا في صبيحة من أصباح الخريف
ثبات الأخلاق، وغيرها كثير قد نشره في آخر الجزء الثامن من الباسمة وكان الطريق من القاهرة إلى طنطا جميلا فتانا تحفه مزارع الذرة الخضراء وغابات النخل المزرقش بعراجينه الحمراء والصفراء وكان القطار يطير بين مناظر الريف الجميلة وبودي لو تمهل في سيره
وحي القلم.
رأيت أي ثورة اضرمها في نفوس هذا الجيل. انه من طبقة عبد
العلا امثال
وضواحيها
الحميد سعيد وحسن البنا اللذين اشعلوا الثورة المصرية التي طهرت لتطول متعتي بهذا الجمال الذي ألهم الرافعي كثيرا من أدبه الرفيع، مصر من أسباب الفناء ودججها بأسباب الرقي والحياة. وهكذا فوصلنا طنطا في الثامنة صباحا فقضيت ساعة أتجول في شوارها الصرخة التي يبعثها الإخلاص والصفاء لابد ان تثمر في الصدور ولو استكنت بذورها زمنا طويلاً. والرافعي أديب الخاصة لا يغرم به وكانت مدينة تحتوي على جمال المدن وسحر الريف، وكانت في إلا من يجد ويجتهد في قراءته كمن يعرج إلى السماء لابد يجهد مقدارها وموقعها الخصيب «كالبليدة» عندنا، ووسط المدينة شبيه ومحاولة، وترى كثيراً من الناشئين يطرحونه ويتأففون منه بالقاهرة القديمة في البنيان وهندسة البيوت، أما ضواحيها فبارعة ويرمونه بالتكلف والتعقد وتلك لعمري نظرة الوليد الضعيف إلى الجمال بالحدائق الحالية بالزهور والياسمين وبالمزارع الواسعة التي الطعام الدسم الذي لا تستطيعه معدته، وغرامه بالخفيف من الطعام تكتنف المدينة من كل النواحي، وشوارعها فسيحة نظيفة ليس فيها الذي لا يرضى جبابرة الأجسام زحام القاهرة وضجيجها. انها أحسن ما يؤثر الأديب خَلِيَّة له ينتج وكنت منذ عشر سنين في الأعوام التي قضيتها في الكنانة قد تعرفت فيها فنه وتلهمه روائعه والريف الذي هو مصدر الأمة في غذائها بأفراد من عائلة الرافعي ممن يقيمون في القاهرة وكنت امنى النفس وخيراتها هو وحده ينجب العقول العبقرية التي تنتج للعقول غذاءها بزيارة طنطا وزيارة دار الرافعي والإطلاع على خزائن كتبه ويلهم تلك العقول. فذهبت إلى بيت الدكتور محمد مصطفى أحد. الت ومشاهدة منازل وحيه في تلك البقاع التي ألهمته كثيرا من أدبه أنجال الرافعي. وهو طبيب متخصص في أمراض الأطفال، انه الآن وكان القطار كلما وقف في طنطا ذاهبا إلى الإسكندرية أو راجعا مدير ادارة الصحة المدرسية في طنطا، وكان الدكتور محمد متواضعا منها أحسست بلهفة تدفعني إلى النزول لمشاهدة وطن الرافعي لطيف الحاشية دمث الأخلاق، طليق المحيا فاستقبلني أحسن إستقبال ولكنني كنت أرجئ الزيارة حتى أعقد الصلة بأحد أبنائه. فرجعت وفرح بزيارتي .. إلى الجزائر قبل أن أقوم بزيارتي فكانت في نفسي حسرة تتجدد كلما وكان يسكن في ضاحية طنطا في بيت تحوطه المزارع الخضراء قرأت للرافعي ولما زرت مصر في الصيف الماضي كان من مهماتي زيارة ومناظر الريف الساحرة. وكان الهواء الممتلئ بأنفاس الحدائق يتدفق طنطا ومشاهدة آثار الرافعي فكتبت إلى أحد أبنائه أخبره بزيارتي
- 95 -
de
- 94 -