محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥١وأخبرني أنهم أرادوا طبع السفود فنصحهم الأستاذ عبد الرحمن الرافعي يارجاء ذلك لأن من سلكهم الرافعي في سفوده يحاكمونهم الى القضاء، اننا نجل الذين انتقدهم الرافعي في السفود ونغار عليهم ونراهم من مفاخرنا مع الرافعي، ولكنني أتمنى أن يعاد طبع السفود لأنه أسلوب في النقد تحتاج إليه الأمة أحيانا كما تحتاج الى الأحجار التي نلقمها
أفواها لا تعي الكلام وما أحوجنا نحن في المغرب إلى وسفافد
سفافيد نسلك فيها الخونة من أعداء الدين والوطن فان بعض البقاع النجسة لا تطهرها إلا النيران! ان كتاب السفود الذي طبع منذ عشرين سنة يجب على كل أديب قراءته ليتعلم منه أسلوبا كالرماية التي يجب على الانسان أن يحدقها للمكاره اذ ألمت به. وسألت الدكتور محمد عن مكتبة أبيه فقال انهم باعوها لدار الكتب المصرية. ليت دار الكتب أبقت مكتبة الرافعي ركنا فيها يحمل اسمه ويكون ذكرى له
كما أبقت مكتبة تيمور والشنقيطي فلم تذب فيها. ان آثار الرافعي هي مكتبته ومن حقه على مصر حقه على مصر التي رفعها الى الذرى بجهاده وعبقريته أن تحيي ذكره بالإبقاء على مكتبته فنرى إسم الرافعي بجانب إسم تيمور والشنقيطي في فهارسها. ولعل مدير دار الكتب الأستاذ الكبير توفيق الحكيم الذي أشاد الرافعي بأدبه ينصف الرافعي فيترك لنا مكتبته تحمل اسمه مجتمعة في مركز الدار لا موزعة في الفروع. انه اذا فعل أسدى الى الأدب يدا مع اياديه اليه بنتاجه. وترك في دار الكتب مأثرة تحيي ذكره مع جهوده فيها. وفي آخر مجلسي مع الدكتور محمد أسرع إلى نجله مصطفى وكان غاية في
- 98 -
،
الفراهة والنظافة والجمال فسألته عن سميه فأشار إلى صورة الرافعي المنوطة بالجدار. وكان فارع القامة فظننته في الثانية عشرة فلما سألت الدكتور محمد أخبرني ان عمره سبع سنين فلم أعجب لأن الطبيب الذي يعرف التربية الصحيحة لابد أن تكون سلالته على الكمال، ليت للوالدين كلهم علم بالتربية لينشئوا لنا الجيل القوي الذي يبلغ بنا الغايات. ثم امتطينا سيارة الدكتور محمد ليطلعني على بعض الأنحاء التي كان الرافعي يغشاها ويريني داره ويزيرني قبره فأخذت بنا السيارة في ضاحية طنطا الحالية بالزهور وفي شارع الجيش وهو من أكبر الشوارع في طنطا وقف الدكتور محمد أمام مقهى «ليمنوس» فأشار إليه فقال هذا هو مقهى الرافعي، انه النادي الذي يقضي فيه أوقات الفراغ ويجتمع بأصدقائه وتلاميذه وهو من منازل وحيه فأكثر مقالاته في الرسالة تولدت له معانيها في هذا المكان، ومقهى «ليمنوس» ليوناني آثره الرافعي لقربه من داره ولنظافته وجمال موقعه. انه عال عن الشارع يصعد إليه بدرج ويشرف على ميدان صغير أمامه. وكان مجلس الرافعي منه على شرفة مطلة على الميدان. وقريبا من المقهى يتفرع شارع الحكيم وفي هذا الشارع الدار التي نشأ فيها الرافعي وقضى فيها حياته، ونقع من الشارع في حارة صغيرة تسمى حارة عبد الرحيم، والدار في مدخل الحارة على اليمين وهي دار عالية في أربع طبقات بناها عبد الرزاق والد الرافعي، وكانت وقت بنائها أفخم دار في طنطا ولكن الآن تعد دارا قديمة قد أبلاها الزمان، وهذه الدار كانت ملكا للرافعي واخوته ولما توفي باعها الورثة فهي الآن محتلة بأناس آخرين غير
- 99 -